ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

80

الوشى المرقوم في حل المنظوم

الأثير ، سواء في كنف والده منذ سنى طفولته الأولى ، أو في مرحلة الشباب التي قضاها في الموصل ، ثم في دمشق أيام الناصر صلاح الدين ، متمتعا بما يراه من انتصارات المسلمين على الفرنج والصليبيين في الشام ، كذلك ما انقضى من عهد الشباب في خدمة الأفضل وزيرا له بدمشق ، املا في أن يكون وزيره ، وصاحب ديوان إنشائه في سلطنة عظيمة الأرجاء . كل هذه الحياة التي عاشها ؛ مع كثير من الطموح ، ثم يجد ضياء الدين نفسه تارة في حصن صرخد ، وتارة أخرى ينتهى به المطاف إلى حصن سميساط . وكلاهما حصنان جبليان أثارا الحزن في نفس صاحبنا ، فعبر عن هذا الحزن في رسالتين يؤكد من خلالهما مدى بغضه للإقامة بهما . يقول في الرسالة الأولى : « . . . وأنا أشرح له أحوالي ، فإنها مما تزيد القلوب صدأ . وليس بمنكر أن تغدو خبرا إن كانت الحوادث له مبتدأ . وقد عدلت الآن عن شكوى الزمن المليم ؛ إلى شكوى المكان الذي أنا به مقيم . وكيف لا أشكو أرضا منيت بقلة خيرها ، وشؤم طيرها . فلا يوجد بها جار إلا البوم ، ولا زاد إلا الهموم ، أرض خلعت اللّهو خلعى خاتمي * فيها ، وطلّقت السّرور ثلاثا وقد كان القلب يسكن ، والمقام يمكن . قبل أن يلقى الشتاء رحله بساحتها ، وتأخذ أكفّ الغيث في سماحتها . . . وجملة الأمر أنه لا يزال جفن السحاب بها ساكبا ، وإن بدا خدّ الشمس فلا يبدو إلا شاحبا » « 1 » . ولم تكن الإقامة بحصن سميساط أفضل حالا عن الإقامة بحصن صرخد ؛ إذ إن إقامة الضياء في سميساط كانت من الأمور التي تثير شجنه وهمه ، خاصة أن حزن قلبه ، قد امتد إلى رأسه ، فأشعله شيبا . وقد صدّر هذه الرسالة بقوله : « كتاب كتبه عن نفسه إلى بعض الإخوان بالموصل جوابا عن كتابه ، وسيّر إليه من حصن سميساط . . . » « 2 » .

--> ( 1 ) نشرة القيسي - ناجى 1 / 118 ، الرسالة رقم 41 . ( 2 ) السابق 1 / 137 ، الرسالة رقم 56 .