ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

81

الوشى المرقوم في حل المنظوم

ثم يواصل ابن الأثير ذمه للدنيا فيقول : « وأعجب ما فيها أن صاحبها يحسد على ما يرحم من أجله . . . ومن ذميم فعلها المعدود في باب ثنائها ما تجنيه من المشيب على من تغمره من أبنائها ، وقد فجأتنى بذلك والعهد قريب ، والغصن رطيب ، ورواء الشباب عجيب فذوي نبت الرأس والماء جار في عوده . وأخلق لباس الصبا ، ولم تخرج يد صانعه من حوك بروده ؛ ولئن قدمت طليعته قبل أوان قدومها . فغير بدع للمرتقى في سماء المعالي أن تعممه بنجومها . وإذا نظر في ذلك إلى صحة القياس ، وجد شيب الفؤاد سرى إلى شيب الرأس ، ولقد أذكى همومي وأخمد هممى ، وأحدث التغير في كل شيء إلا شيمى . . . » « 1 » . لقد كانت بداية الضجر من حياة الحصون نذيرا للضيق والتأفّف من البقاء في خدمة الأفضل نور الدين . إذ بدأ يضيق صدره من مقامه في هذا المكان . وقد زادت حياة ضياء الدين سوا واختناقا بعد أن وصله خبر وفاة أخيه الأكبر مجد الدين المبارك أبى السعادات بن الأثير « 2 » . وازداد الأمر سوا بوفاة أبيه ، الذي لم نجد أي تأريخ لميلاده أو لوفاته . وإن كانت المصادر تؤكد أن وفاة مجد الدين المبارك كانت في سنة 606 ه ، فعلى هذا تكون وفاة الأثير بعد وفاة ابنه الأكبر . تسرب اليأس إلى نفس ابن الأثير ، ولم يعد يحتمل الإقامة في خدمة الأفضل . فقرر مفارقته . وترصد إحدى رسائله هذا الضيق القاتل الذي وصلت إليه حاله ، وما أصابه من اليأس بعد أن ركن الأفضل إلى الدعة ، ولم يعد يشغله في حياته طموح إلى استعادة ملك أبيه ، واكتفى بالإقامة القاتلة ، والعزلة المميتة في حصن سميساط غير عابئ بما يجرى حوله ، أو بكونه في خدمة عمه الملك العادل ، أو في خدمة غيره . تستوى في ذلك خدمته لصاحب الموصل أو لصاحب الروم . وهو في هذه الرسالة يبدي تبرما على ما فات من عمره في خدمته دون أن يحقق طموحه في جواره ، مؤكدا أنه وجد هناءه وسعادته بعد فراقه . وبعد مقدمة الرسالة ، وذكر الأشواق ، وبيان مناقب المرسل إليه ؛ يقول

--> ( 1 ) السابق 1 / 138 . ( 2 ) راجع نشرة القيسي - ناجى 1 / 85 ، الرسالة رقم 16 .