عبد السلام محمد هارون ( اعداد )
57
نوادر المخطوطات
و ( ماتت زوجته ) في سنة 96 فحزن عليها حزنا كثيرا ، ودفنها عند المشهد المعروف بمشهد السيدة رقية وعمل على قبرها مقاما ومقصورة وستورا وفرشا وقناديل ولازم قبرها أياما كثيرة ، وتجتمع عنده الناس والقراء والمنشدون ، ويعمل لهم الأطعمة والثريد والكسكسو والقهوة والشربات . واشترى مكانا بجوار المقبرة المذكورة وعمره بيتا صغيرا وفرشه وأسكن به أمها ، ويبيت به أحيانا . وقصده الشعراء بالمراثي ، فيقبل منهم ذلك ويجيزهم عليه . ورثاها هو بقصائد وجدتها بخطه بعد وفاته في أوراقه المتشتة ، على طريقة شعر مجنون ليلى » . وساق الجبرتى ست مقطعات للزبيدى في رثائها ثم قال : « ثم تزوج بعدها بأخرى وهي التي مات عنها وأحرزت ما جمعه من مال وغيره . ولما بلغ ما لا مزيد عليه من الشهرة وبعد الصيت وعظم القدر والجاه عند الخاص والعام وكثرت عليه الوفود من سائر الأقطار ، وأقبلت عليه الدنيا بحذافيرها من كل ناحية ، لزم داره واحتجب عن أصحابه الذين كان يلم بهم قبل ذلك إلا في النادر لغرض من الأغراض ، وترك الدروس والإقراء واعتكف بداخل الحريم وأغلق الباب ورد الهدايا التي تأتيه من أكابر المصريين ظاهرة ، وأرسل إليه مرة أيوب بيك الدفتردار مع نجله خمسين إردبا من البر ، وأحمالا من الأرز والسمن والعسل والزيت وخمسمائة ريال نقود وبقج كساوى أقمشة هندية وجوخا وغير ذلك فردها ، وكان ذلك في رمضان ، وكذلك مصطفى بيك الإسكندرانى وغيرهما ، وحضرا إليه فاحتجب عنهما ولم يخرج إليهما ورجعا من غير أن يواجهاه . ولما حضر حسن باشا على الصورة التي حضر فيها إلى مصر لم يذهب إليه ، بل حضر هو لزيارته وخلع عليه فروة تليق به ، وقدم له حصانا معدودا مرخنا بسرج وعباءة ، قيمته ألف دينار ، أعده وهيأه قبل ذلك . وكانت شفاعته عنده لا ترد ، وإن أرسل إليه إرسالية في شيء تلقاها بالقبول والإجلال وقبّل الورقة قبل أن يقرأها ووضعها على رأسه ونفذ ما فيها . وأرسل مرة إلى أحمد باشا الجزار مكتوبا وذكر له فيه أنه ( المهدى المنتظر ) وسيكون له شأن عظيم ، فوقع عنده بموقع الصدق لميل النفوس إلى الأماني ، ووضع ذلك المكتوب في حجابه المقلد به مع الأحراز والتمائم ، فكان يسير بذلك إلى بعض من يرد عليه ممن يدعى المعارف في الجفور والزايرجات ويعتقد صحته بلا شك . ومن قدم عليه من جهة مصر وسأله عن المترجم فإن أخبره وعرّفه أنه اجتمع به وأخذ