عبد السلام محمد هارون ( اعداد )
124
نوادر المخطوطات
الداء من أصله ، وهو التحرّز من ذلك الحرف الذي يحمل تلك الشناعة ، وهو حرف الراء . ويوضّح الجاحظ علّة التجاء واصل إلى مجانبة الراء بقوله « 1 » : « ولما علم واصل بن عطاء أنه ألثغ فاحش اللثغ ، وأن مخرج ذلك منه شنيع ، وأنه إذ كان داعية مقالة ورئيس نحلة ، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل ، وأنه لا بدله من مقارعة الأبطال ومن الخطب الطوال ، وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة وإلى ترتيب ورياضة ، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة ، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق ، وتكميل الحروف وإقامة الوزن ، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة كحاجته إلى الفخامة والجزالة ، وأن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب وتثنى إليه الأعناق ، وتزيّن به المعاني ، وعلم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام واللسان المتمكن والقوة المتصرفة ، كنحو ما أعطى اللّه تبارك وتعالى نبيه موسى عليه السلام من التوفيق والتسديد . . . ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان وإعطاء الحروف حقها من الفصاحة - رام « 2 » أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه ، وإخراجها من حروف منطقه ، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ، ويناضله ويساجله ، ويتأتّى لستره والراحة من هجنته ، حتى انتظم له ما حاول ، واتّسق له ما أمّل . ولولا استفاضة هذا الخير وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا ، ولطرافته معلما ، لما استجزنا الإقرار به والتوكيد له . ولست أعنى خطبه المحفوظة ، ورسائله المخلدة ، لأن ذلك يحتمل الصنعة ، وإنما عنيت محاجّة الخصوم ، ومناقلة الأكفاء ، ومفاوضة الإخوان » .
--> ( 1 ) البيان 1 : 14 - 15 . ( 2 ) هذا جواب « لما » التي في أول النص .