خليل الصفدي
73
نكت الهميان في نكت العميان
إن لهذا لفاظة ترتجع من الأفواه ، وأنا أكره ذلك في مجلس الأمير ، فقال عبد اللّه : ليس بصاحبك من احتشمك واحتشمته ، أما إنه لو قسم عقلك على مائة رجل لصار كل رجل منهم عاقلا . وكان أبو سعيد يوما في مجلسه ، إذ هجم عليه مجنون من أهل قم ، فسقط على جماعة من أهل المجلس ، فاضطرب الناس لسقطته ، ووثب أبو سعيد لا يشك أن ذلك آفة لحقتهم من سقوط جدار أو شرود بهيمة ، فلما رآه المجنون على تلك الحالة قال : الحمد للّه رب العالمين ، على رسلك يا شيخ لا ترع ، آذاني هؤلاء الصبيان فأخرجونى عن طبعى إلى ما لا أستحسنه من غيرى ، فقال أبو سعيد : منعوا منه عافاكم اللّه ، فوثبوا وشردوا من كان يعبث به ، وسكت ساعة لا يتكلم إلى أن عاد المجلس إلى ما كان عليه من المذاكرة ، فابتدأ بعضهم يقرأ قصيدة من شعر نهشل بن جرير التميمي ، رحمه اللّه تعالى ، حتى بلغ قوله : غلامان خاضا الموت من كل جانب * فآبا ولم تعقد وراءهما يد متى يلقيا قرنا فلا بد أنه * سيلقاه مكروه من الموت أسود فما استتم هذا البيت حتى قال المجنون : قف يا أيها القارئ ، تتجاوز المعنى ولا تسأل عنه ؟ ما معنى قوله : ولم تعقد وراءهما يد ، فأمسك من حضر عن القول ، فقال : قل يا شيخ ، فإنك المنظور إليه والمقتدى به ، فقال أبو سعيد : يقول : إنهما رميا بنفسيهما في الحرب أقصى مرامها ، ورجعا موفورين لم يؤسرا ، فتعقد أيديهما كتفا ، فقال : أترضى يا شيخ لنفسك بهذا الجواب فأنكرنا ذلك على المجنون ؟ فقال أبو سعيد : هذا الذي عندنا ، فما عندك ؟ فقال : المعنى يا شيخ ، فآبا ولم تعقد يد بمثل فعلهما بعدهما ؛ لأنهما فعلا ما لم يفعله أحد ، كما قال الشاعر : قوم إذا عدت تميم معا * ساداتها عدوهم بالخنصر ألبسه الله ثياب الندى * فلم تطل عنه ولم تقصر أي خلقت له ، وقريب من الأوّل قوله : قومي بنى مذحج من خير الأمم * لا يصعدون قدما على قدم يعنى أنهم يتقدمون الناس ولا يطئون على عقب أحد ، وهذان فعلا ما لم يعطه أحد ،