خليل الصفدي
259
نكت الهميان في نكت العميان
كان الناس حولك حين قاموا * وفود نداك أيام الصلاة كأنك قائم فيهم خطيبا * وكلهم قيام للصلاة مددت يديك نحوهم احتفاء * كمدكها إليهم بالهبات ولما ضاق بطن الأرض عن أن * يضم علاك من بعد الممات أصاروا الجو قبرك واستنابوا * عن الأكفان ثوب السافيات لعظمك في النفوس تبيت ترعى * بحفاظ وحراث ثقات وتشعل عندك النيران ليلا * كذلك كنت أيام الحياة ركبت مطية من قبل زيد * علاها في السنين الذاهبات ولم أر قبل جذعك قط جذعا * تمكن من عناق المكرمات أسأت إلى النوائب فاستثارت * فأنت قتيل ثأر النائبات وكنت تجير من صرف الليالي * فعاد مطالبا لك بالترات وصير دهرك الإحسان فيه * إلينا من عظيم السيئات وكنت لمعسر سعدا فلما * مضيت تفرقوا بالمنحسات غليل باطن لك في فؤادي * يخفف بالدموع الجاريات ولو أنى قدرت على قيام * بفرضك والحقوق الواجبات ملأت الأرض من نظم القوافي * ونحت بها خلاف النائحات ومالت تربة فأقول تسقى * لأنك نصب هطل الهاطلات عليك تحية الرحمن تترى * برحمات غواد رائحات وكتبها الشاعر المذكور ، ورمى بها نسخا في شوارع بغداد ، فتداولها الأدباء إلى أن وصل خبرها إلى عضد الدولة ، وأنشدت بين يديه ، فتمنى أن يكون هو المصلوب دونه ، وقال : علىّ بهذا الرجل ، فطلب سنة كاملة ، واتصل الخبر بالصاحب ابن عباد ، فكتب له إلى عضد الدولة بالأمان ، فحضر إليه ، فقال له الصاحب : أنشدنيها ، فلما بلغ قوله : ولم أر قبل جذعك . . . البيت ، قام إليه وقبل فاه ، وأنفذه إلى عضد الدولة ، فقال له : ما حملك على رثاء عدوى ؟ قال : حقوق وجبت ، وأياد سلفت ، فجاش الحزن في قلبي فرثيته . وكان بين يدي عضد الدولة شموع تزهر ، فقال : هل يحضرك شيء في الشموع ؟ فأنشد : كان الشموع وقد أظهرت * من النار في كل رأس سنانا أصابع أعدائك الخائفين * تضرع تطلب منك الأمانا فخلع عليه ، وأعطاه فرسا وبدرة ، ولم يزل ابن بقية المذكور مصلوبا إلى أن توفى عضد الدولة ، رحمهما اللّه تعالى .