خليل الصفدي
104
نكت الهميان في نكت العميان
عظيم الخلق والوجه ، مجدورا طويلا ، وهو معدود في أول مرتبة المحدثين ، وهو من مخضرمى الدولتين . وهو من الشعراء المجيدين . وكان خبيث الهجو . قال بشار : هجوت جريرا ، فاحتقرنى واستصغرنى ، ولو أجابني لكنت أشعر الناس . وقال بشار : لي اثنى عشرة ألف قصيدة لعنها اللّه ولعن قائلها ، إن لم يكن في واحدة منها بيت عين . ومر بشار برجل ندت من تحته بغلة وهو يقول : الحمد للّه شكرا ، فقال بشار : استزده يزدك . ومر يوما بقوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها ، فقال : ما لهم مسرعين ؟ ورفع غلام بشار إليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم ، فصاح به بشار وقال : ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة لأعمى بعشرة ، واللّه لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم . وقال داود بن رزين : جئت بشارا مع جماعة ، فأذن لنا والمائدة موضوعة بين يديه ، فلم يدعنا إلى طعامه ، فلما أكل دعا بالطست ، فكشف سوأته وبال ، ثم حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم يصل ، فقال له بعضنا : أنت أستاذنا ، وقد رأينا منك أشياء أنكرناها ، قال : وما هي ؟ قلنا : دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا ، فقال : إنما أذنت لكم لتأكلوا ، ولو لم أرد ما أذنت لكم ، قال : ثم ما ذا ؟ قلنا : دعوت بالطست فبلت ونحن حضور ، فقال : أنا مكفوف وأنتم المأمورون بغض البصر دونى ، قال : ثم ما ذا ؟ قلنا : حضرت الظهر والعصر والمغرب ولم تصل ، فقال : الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملة . وقعد إلى بشار رجل يستثقله ، فضرط عليه ضرطة ، فظن أنها فلتة منه ، ثم ضرط أخرى ، ثم ضرط ثالثة ، فقال له : يا أبا معاذ ، ما هذا ؟ فقال بشار : أرأيت أم سمعت ؟ فقال : بل سمعت صوتا قبيحا ، قال : فلا تصدق حتى ترى ، وأنشد : ربما ثقل الجليس وإن كان * خفيفا في كفة الميزان كيف لا تحمل الأمانة أرض * حملت فوقها أبا سفيان وكان النساء المتظرفات يجئن إلى بشار ويسمعن كلامه وشعره ، فسمع واحدة منهن فهويها وراسلها ، فقالت لرسوله : قل له : أي معنى فيك لي ؟ ويلك أولك فىّ ؟ أنت أعمى لا تراني فتعرف حسنى ومقداره ، وأنت قبيح لا حظّ لي فيك ، فليت شعري لأي شيء تطلب وصال مثلي ؟ وجعلت تهزأ به ، فأدى إليه الرسول ما قالت ، فقال : عد إليها وقل لها :