الشيخ الأنصاري
145
فرائد الأصول
ثم اعلم : أنه بقي هنا شبهة أخرى في منع جريان الاستصحاب في الأحكام التكليفية مطلقا ، وهي : أن الموضوع للحكم التكليفي ليس إلا فعل المكلف ، ولا ريب أن الشارع - بل كل حاكم - إنما يلاحظ الموضوع بجميع مشخصاته التي لها دخل في ذلك الحكم ثم يحكم عليه . وحينئذ ، فإذا أمر الشارع بفعل - كالجلوس في المسجد مثلا - فإن كان الموضوع فيه هو مطلق الجلوس فيه الغير المقيد بشئ أصلا ، فلا إشكال في عدم ارتفاع وجوبه إلا بالإتيان به ، إذ لو ارتفع الوجوب بغيره كان ذلك الرافع من قيود الفعل ، وكان الفعل المطلوب مقيدا بعدم هذا القيد من أول الأمر ، والمفروض خلافه . وإن كان الموضوع فيه هو الجلوس المقيد بقيد ، كان عدم ذلك القيد موجبا لانعدام الموضوع ، فعدم مطلوبيته ليس بارتفاع الطلب عنه ، بل لم يكن مطلوبا من أول الأمر . وحينئذ فإذا شك في الزمان المتأخر في وجوب الجلوس ، يرجع الشك إلى الشك في كون الموضوع للوجوب هو الفعل المقيد ، أو الفعل المعرى عن هذا القيد . ومن المعلوم عدم جريان الاستصحاب هنا ، لأن معناه إثبات حكم كان متيقنا لموضوع معين عند الشك في ارتفاعه عن ذلك الموضوع ، وهذا غير متحقق فيما نحن فيه . وكذا الكلام في غير الوجوب من الأحكام الأربعة الاخر ، لاشتراك الجميع في كون الموضوع لها هو فعل المكلف الملحوظ للحاكم بجميع مشخصاته ، خصوصا إذا كان حكيما ، وخصوصا عند القائل بالتحسين والتقبيح ، لمدخلية المشخصات في الحسن والقبح حتى الزمان .