أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
8
كتاب النسب
فحين نقرأ أخبار صفين نجد أن القول الفصل بالنسبة لموقف معاوية قد اعتمد على قبائل الفتح لا سيما قبائل حمص ، في حين أن عرش معاوية الخليفة ثم ابنه من بعده اعتمد على مساندة قبيلة كلب وهي من قبائل الشام لما قبل الفتح ، وقبيلة كلب هي التي قررت مستقبل الخلافة في مؤتمر الجابية ومعركة مرج راهط . وفي عودة إلى كتب الأخبار نراها تتحدث عن هجرة قبلية كبيرة حدثت قبل الإسلام من اليمن ، ربما بحوالي ثلاثة قرون ، والمعني بذلك هجرة الأزد ، وتتحدث هذه الكتب في الوقت نفسه عن صراعات رافقت الهجرة وتلتها وأنه تمخض عن ذلك ظهور تكتلات ( جماهير ) بشرية كبيرة وأن هذه التكتلات تمزقت وولد من داخلها الوحدات الأصغر التي حملت اسم القبائل ، فأثناء هجرة الأزد لا بد لهذه الكتلة الكبيرة أن جرفت أمامها مجموعات من سكان شبه الجزيرة واستوعبتها في داخلها ، كما أنها خلفت وراءها بعض المجموعات ، مثل الأوس والخزرج في يثرب وخزاعة في مكة ، وقيل إن مجموعة من الأزد عسكرت حول بئر اسمه غسان فكونت قبائل غسان التي قدمت إلى بلاد الشام . ويستخلص من هذا كله ومن الحكايات التي جاءت حول قبائل تنوخ والسيطرة على الحيرة مؤشرات تأريخية على ظهور النظام القبلي عند العرب ، ولا شك أن ما جاء حول قصي ابن كلاب والاستيلاء على مكة فيه دلالات أوضح ، فهو قد استخرج قبيلة حملت اسم قريش من بين أوساط جمهرة كبيرة اسمها كنانة ، وأسكن قبيلته الجديدة في مكة وفق نظام هو أبدعه ورعى تطبيقه ، ولعل هذا كان في القرن الرابع للميلاد . وتابع النظام الجديد نموه واستيفاء أبعاده في القرنين الخامس والسادس للميلاد ، ومع ظهور الإسلام كانت شبه الجزيرة والأطراف قد شهدت تكامل التحولات الاجتماعية وحلول القبيلة محل الجمهرة ، حيث تبنت كل قبيلة اسما خاصا بها وانتماء ونسبا وهوية دون أن تقطع صلاتها الاسمية بالجمهرة القديمة . وانتظمت القبيلة من الداخل فغدت تتألف من أفخاذ وعشائر وأسر ، كما أرسيت قواعد إدارة القبيلة والانتماء إليها والزعامة فيها إلى حد أصبحت القبيلة فيه أشبه بأمة لها لهجتها الخاصة ومعبودها وديارها ( وطنها ) وشاعرها المعبر عن وجهات نظرها ، وأحلافها الخارجية وعلاقاتها حتى مع قوى خارج شبه الجزيرة .