أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
9
كتاب النسب
وقام الإسلام وسعى النبي صلى اللّه عليه وسلم للإفادة من هذا النظام لتحقيق النجاحات فاستفاد من حماية عشيرته له ، ثم أخذ يعرض نفسه على القبائل ، لكن النجاح لم يحالفه ، نظرا للوشائج التي كانت قائمة بين زعامات قريش في مكة وزعماء القبائل في الطائف والمناطق المجاورة لمكة . وبعد طول جهاد اتصل صلى اللّه عليه وسلم بالأوس والخزرج وتمت الهجرة إلى المدينة ، وإثر الهجرة سعى النبي صلى اللّه عليه وسلم نحو إلغاء النظام القبلي ، وإنشاء الأمة العقائدية ، ووضح هذا في إطلاق اسم الأنصار على الأوس والخزرج والمهاجرين على الذين قدموا إلى المدينة من مكة وغيرها ، مع عملية المؤاخاة ، ولم تلغ هذه الإجراءات النظام القبلي ، بل حاولت إيجاد كيانات قبلية جديدة إنما بدون نجاح ملحوظ ، لذلك ما لبث النبي صلى اللّه عليه وسلم أن أعاد الاعتبار إلى القبيلة القديمة وسعى للإفادة من النظام القبلي داخل التنظيم العقائدي للأمة الناشئة وأثناء الصراع مع قريش . لا أريد في هذا المقام أكثر من الإشارة إلى موضوع القبلية العربية وتبيان مدى أهميته وبالتالي ضرورة البحث فيه ، والبحث فيه يحتاج - طبعا - إلى وسائل خاصة ومواد اخبارية ، ولا تكفي المواد الموجودة في كتب الأخبار والتاريخ ، بل هنالك حاجة ماسة إلى اعتماد المواد التي وردت في كتب الأنساب . وألف العرب عددا كبيرا من كتب الأنساب ، كان النسب الكبير وجمهرة النسب لابن الكلبي من أوسعها شهرة ، واتسم هذان الكتابان بسمات خاصة أعاقت الانتفاع منهما بالشكل الأمثل ، كما أن المحدثين وعلماء الإسلام كان لهم موقفهم بالنسبة لعدالة محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام ، لهذا أقدم بعض الأئمة على تهذيب كتاب ابن الكلبي وتدارك بعض ثغراته وتقريب مواده للقراء والباحثين ، وأقدم من قام بهذا العمل وأفضلهم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ، وما أن ظهر كتاب ابن سلام حتى اعتمده المحدثون والفقهاء وعلماء التاريخ والرجال ، لذلك قامت الحاجة في أيامنا إلى بعث هذا الكتاب بتحقيقه ونشره بشكل علمي . وتولى القيام بهذه المهمة الصعبة جدا السيدة مريم الدرع ، حيث تقدمت بعملها لنيل شهادة الماجستير بالتاريخ الإسلامي من جامعة دمشق ، وقد أنجزت عملها بكل دقة ونجاح وبرهنت على امتلاكها للمؤهلات العلمية وخلق الباحث وبشرت بمستقبل واعد .