أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
69
كتاب النسب
فقد حارب الإسلام النزعات العصبية والروح القبلية لأنها تحول دون توحد القبائل وجمع شملها في أمة واحدة ، وحارب النزعات الجاهلية المتصلة بها ووصم الداعين إليها بالكفر إذ قال عز وجل إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ « 1 » . وأجاب الرسول عندما سئل عن العصبية : ( أن تعين قومك على الظلم ) « 2 » . ونهى الإسلام كذلك عن المفاضلة بين الناس على أساس الأنساب والأجناس وجعل المفاضلة بالتقوى ، قال اللّه تعالى : جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 3 » . وعلى ذلك حض الرسول صلى اللّه عليه وسلم إذ قال في خطبة حجة الوداع : « يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب . . ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى » « 4 » . ( ولقد كان خلف هذا الموقف المتقدم والراقي الذي اتخذه الإسلام عوامل وأسبابا ، فهو دين ذو صبغة إنسانية وعالمية ، يتخطى بعقائده دوائر الألوان والأجناس والقوميات - رغم أن قياد نشر دعوته قد عقد للعرب - وقد اعتنقه عبيد وموال أصبحوا عربا باللغة والفكر والتكوين النفسي ، دون أن يكونوا عربا ( بالعرق والجنس ) ولذلك كان تخطي الإسلام لمعيار العرق في الدعوة للوحدة القومية ، وتزكيته للمعيار الحضاري وتقديمه ( العروبة ) كرباط قومي ذي مضمون إنساني ، يستبعد ( العرق ) بأفقه الضيق ويستشرق أرقى العلاقات وأوسع الآفاق ، فعند ما بلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم أن بعض الصحابة يريد أن ينتقص من قدر بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي لأنهم ليسوا عربا ( بالعرق والجنس ) كانت غضبته شديدة ضد هذه العصبية ، التي هي من بقايا الجاهلية ، وكانت كلماته التي وضعت في الواقع والفكر العربي والإسلامي أسس المعيار الحضاري والإنساني للعروبة والقومية العربية حيث قال « أيها الناس . . . إن الرب واحد . . . والأب واحد وليست العربية بأحدكم من أب أو أم ولكنها « اللسان » فمن تكلم العربية فهو عربي ؟ » فكانت كلماته هذه شهادة ميلاد المضمون الحضاري غير العرقي للعروبة والقومية العربية ) « 5 » .
--> ( 1 ) سورة الفتح آية ( 26 ) . ( 2 ) تيسير الوصول 4 / 17 أخرجه أبو داود . ( 3 ) سورة الحجرات آية 13 . ( 4 ) البيان والتبيين عمرو بن بحر الجاحظ تحقيق فوزي عطوي نشر دار صعب بيروت 2 / 33 . ( 5 ) التراث في ضوء العقل . محمد عمارة نشر مؤسسة دار الوحدة بيروت ص 169 .