أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي

70

كتاب النسب

فالإسلام إذن عمل على إزالة الفوارق القبلية والجنسية والنسبية ونيل الشرف والسيادة على أساس ذلك ، كما كان في الجاهلية ، فأصبح الناس جميعا متساوين الفرد لا يعيش لنفسه وقبيلته بل يعيش لأمته يفديها بروحه وماله ، ووضع الدين الجديد الأسس الصحيحة لتحقيق العدالة الاجتماعية فلم يترك جانبا من جوانب الحياة إلا ووضع له قوانين تكفل للناس حياة مستقيمة قوامها العدالة وأفضل دليل على ذلك ما ورد في ( الصحيفة ) التي وضعها الرسول صلى اللّه عليه وسلم عندما استقر في المدينة فكانت الدستور ، وكانت الأسس لدولة حديثه تقوم على التكافل والتضامن ، وما ورد بها من تعليمات وتنظيمات يعتبر وثيقة هامة ، فهي تصور لنا ما كانت عليه أحوال المجتمع الجاهلي ، وأهمية التغييرات التي طرأت عليه بعد ذلك « 1 » . وخير تعبير لهذا الأثر العظيم الذي أحدثه الإسلام في وضع العرب جاء على لسان العرب أنفسهم عندما خاطب جعفر بن أبي طالب ، نجاشي الحبشة بقوله : « أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، نأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، نسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف ، كنا على ذلك حتى بعث اللّه الينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعا إلى اللّه لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، نهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد اللّه وحده ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . . . فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من اللّه ، فعبدنا اللّه وحده ولم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا . . . » « 2 » وفي ما بعد أثار هذا التغيير الشامل الذي أحدثه الإسلام في وضع العرب ، إعجاب ودهشة الباحثين في تطور المجتمعات وعبر عن ذلك سير توماس ارنولد نقلا عن فون كريمر الذي قال : « لقد جمعت فكرة الدين المشترك تحت زعامة واحدة شتى القبائل في نظام سياسي واحد ، وذلك النظام الذي سرت مزاياه في سرعة تبعث على الدهشة والإعجاب » « 3 » . وبعد هذا التقويم لأثر الإسلام العظيم في العرب ، والذي جاء على لسانهم

--> ( 1 ) لمزيد من الاطلاع راجع سيرة ابن هشام تحقيق السقا وآخرون نشر مؤسسة علوم القرآن بيروت 1 / 505 . ( 2 ) سيرة ابن هشام 1 / 358 - 359 . ( 3 ) الدعوة إلى الإسلام ترجمة ص 53 . تأليف سير توماس آرنولد .