أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي

172

كتاب النسب

العجلي « 1 » - الذي كان أميرا على الكرخ - بعث إلى عبد اللّه بن طاهر يستهديه أبا عبيد مدة شهرين فأنفذه اليه وأقام أبو عبيدة عنده مدة الشهرين ، ولما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم ، فلم يقبلها وقال : أنا في جنبة رجل لم يحوجني إلى صلة غيره ، فلما عاد إلى ابن طاهر وصله بثلاثين ألف درهم ، فقال أيها الأمير قد قبلتها ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك ، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحا وخيلا وأوجه بها إلى الثغر ليكون الثواب متوافرا على الأمير ففعل « 2 » . - صفاته وأخلاقه : وتلقي هذه الرواية ضوءا على سلوك أبي عبيد مع حكام عصره ، ذلك السلوك الذي اتسم بالنزاهة والتعفف والقناعة ، إلى جانب الثقة بالنفس والورع والتقى ، وحفظ المعروف والجميل لم يفعله - فهو لا ينكر تقدير ورعاية عبد اللّه بن طاهر له ، بل يشكر له ذلك أمام رجال الدولة والمجتمع - وعندما يكون المال كثيرا بين يديه ، يتبرع به للجيش المدافع عن ثغور الدولة الإسلامية وهذه الصفات الحميدة التي كان يتحلى بها أبو عبيد إلى جانب علمه الواسع جعلت الناس يقدرونه ويبجلونه وينظرون إليه بكل إجلال وتكريم ، ونلمس ذلك بكل صدق عندما نطلع على آراء علماء عصره وتلاميذه فيه ، فهو رجل تقي ، ورع ، لم تفسده صحبة الأمراء وذوي النفوذ ، ولم تبعده كثرة المال عن عمله وتلاميذه . وتورد المصادر عدة حوادث وروايات تؤكد على الجانب الإنساني والخلقي في حياته ، فقد ورد على لسان عباس الخياط أنه قال : « كنت مع أبي عبيد ، فجاز بدار إسحاق بن إبراهيم الموصلي فقال : ما أكثر علمه بالحديث والفقه والشعر ، مع عنايته بالعلوم . فقلت إنه يذكرك بضد هذا ، قال : وما ذاك ؟ قلت : ذكر أنك صحفت في المصنف نيفا وعشرين حرفا ، فقال : ما هذا بكثير ، في الكتاب عشرة آلاف حرف مسموعة فغلط منها بهذا ليسير ، لعلي لو ناظرت عنها لاحتججت فيها ولم يذكر إسحاق إلا بخير » « 3 » .

--> ( 1 ) أبو دلف العجلي ، اسمه القاسم بن عيسى بن إدريس كان شاعرا وأديبا وقائدا شجاعا وكريما ولي أمارة الكرخ وكان من أبرز قواد جيش المأمون . توفي في بغداد 225 ه ( انظر تاريخ بغداد 12 / 416 ) . ( 2 ) طبقات الشافعية 2 / 155 ، نزهة الألباء ص 94 ، تاريخ بغداد 12 / 406 ، مخطوطة ابن عساكر ، تاريخ دمشق م 14 ، الورقة 163 . ( 3 ) طبقات النحويين واللغويين ص 221 ، معجم الأدباء 16 / 258 ، تاريخ بغداد 12 / 413 .