أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
131
كتاب النسب
أخرى « فمن الثابت الذي لا شك فيه أن القحطانيين هاجروا بتأثير ظروف اقتصادية وسياسية إلى الشمال ، وأن هذه الهجرات بدأت منذ أزمان مبكرة . فلما ضعفت الدولة الحميرية سبأ وذي ريدان وحضر موت . . هاجر كثير من الجنوبيين إلى الشمال وخاصة بعد سيل العرم الذي خرب سد مأرب ويؤكد ذلك أننا نجد للقبيلة الواحدة فروعا وشعبا مختلفة في الجزيرة العربية . فكندة التي هاجرت إلى الشمال وأسست لها مملكة أو إمارة في شمالي نجد كانت لا تزال بقيتها الكبرى تقيم في حضر موت حين ظهور الإسلام ، ونجد في أسماء رجالها نفس الأسماء الجنوبية مثل : شرحبيل بن الحارث ، ومعد يكرب أخيه . وكانت عشائر من أياد لا تزال تنزل في شمالي نجران بينما يممت عشائر منها حوض الفرات ، أما الأزد فقد توزعت عشائرها بين شمالي اليمن وعمان والمدينة حيث أقام الأوس والخزرج وشمالي الجزيرة في الشام حيث نزل بنو غسان . وفي هذا دلالة واضحة على أن هجرة الجنوبيين إلى الشمال لا يعتريها شك ، أما تنوخ فقد هاجرت إلى البحرين ثم استقرت في جنوبي العراق حيث أسست أهم عشائرها - وهي لخم - دولة المناذرة في الحيرة . ولما نزحت قبائل همدان من حضر موت إلى الجوف اليمني بين مأرب ونجران هاجرت قبيلة طيء إلى الشمال واستقرت في جبلي أجأ وسلمى . وهاجرت قبائل أخرى إلى شمالي الحجاز وانتشرت في بادية الشام وأهمها قضاعة وبهراء وجهينة وبلي التي نزلت في مساكن ثمود ، وجذام وكلب وعاملة اللاتي نزلن في حدود فلسطين ، وعذرة التي نزلت بالقرب من تيماء ووادي القرى . وممن هاجر من الجنوب أيضا خزاعة وكانت مستقرة قبيل الإسلام في منطقة مكة ، وبجيلة وكانت تنزل جنوبي الطائف » « 1 » . والهجرة من الجنوب نحو الشمال كانت هي الغالبة ولكن في أحوال نادرة كانت قبائل شمالية تنزح نحو الجنوب من بلاد العرب أو مناطقها الوسطى كقبيلة ( عك ) التي كانت تقيم في الشمال من بلاد العرب ثم نزلت اليمن مجاورة للأشعريين ، وهذا ما جعل بعض النسابة ينسبها إلى قحطان والبعض الآخر ينسبها إلى عدنان ، ولكن في بعض الأحيان كانت هذه القبائل المهاجرة تحتفظ باسمها في أي مكان تحل به وهذا إذا كانت قوية مرهوية الجانب ، أما إذا كانت قليلة العدد ضعيفة فإنها سرعان ما ترتبط مع القبيلة التي تنزل بجوارها برابطة الحلف والولاء ومع مرور الزمن تتحول هذه الرابطة إلى رابطة
--> ( 1 ) العصر الجاهلي شوقي ضيف ص 56 - 57 .