عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
87
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
في سورة النجم أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعنده رجل يبكي فقال من هذا ؟ فقال جبريل ثم قال جبريل إنا نرى أعمال بني آدم كلها إلا البكاء فإن اللّه تعالى يطفئ بالدمعة الواحدة بحورا من النار . ورأيت في الترغيب والترهيب من رواية البيهقي خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فبكى رجل بين يديه فقال : لو شهدكم اليوم كل مؤمن عليه من الذنوب كأمثال الجبال لغفر له ببكاء هذا الرجل وذلك أن الملائكة تدعو وتقول : اللهم شفع البكائين فيمن لم يبك . وقال أبو سليمان الداراني : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب . قال الفضيل : من خاف دله الخوف على كل خير وقال : إذا قيل لك أتخاف فاسكت فإنك إذا قلت نعم كذبت وإن قلت لا كفرت . ( لطيفة ) دخل أربعة من العارفين على أبي يزيد البسطامي رضي اللّه عنه فقدم لهم قدحا من عسل عليه شعرة فقال الأول : العقل أصفى من القدح والعلم أحلى من العسل والصدق أدق من الشعرة . وقال الثاني : الجنة أصفى من القدح ونعيمها أحلى من العسل والصراط أدق من الشعرة . وقال الثالث : قلب المؤمن أصفى من القدح وكلام اللّه أحلى من العسل والحق أدق من الشعرة . وقال الرابع : الإسلام أصفى من القدح وخلوة الطاعة أحلى من العسل والورع أدق من الشعرة . وقال أبو يزيد : المعرفة أصفى من القدح وخلوة اللّه تعالى أحلى من العسل وخوفه أدق من الشعرة . وبكى شعيب عليه السلام حتى عمي فرد اللّه عليه بصره ثم بكى أيضا فأوحى اللّه إليه وهو أعلم إن كان بكاؤك خوفا من النار فقد آمنتك منها وإن كان بكاؤك شوقا إلى الجنة فقد أوجبناها لك فقال يا رب لم أبك لهذا ولا لهذا وإنما أبكي شوقا إليك فأوحى اللّه إليه فابك فما لهذا الداء دواء إلا البكاء . ( موعظة ) رأى إسرافيل عليه السلام في اللوح المحفوظ أن عبدا يعبد ربه ثمانين ألف عام ثم يرد اللّه تعالى عليه عبادته ويلعنه فبكى إسرافيل خوفا ان يكون هو ذلك العبد فسألته الملائكة عن بكائه فأخبرهم بما رآه في اللوح المحفوظ فبكوا جميعا كل منهم يخاف ان يكون هو ذلك العبد ثم قالوا : نذهب إلى فإنه مجاب الدعوة فيدعو لنا فأخبروه فقال : اللهم لا تغضب عليهم فدعا لهم ونسي نفسه لأنه لم يقل اللهم لا تغضب علينا ، وقيل إن إبليس رأى على باب الجنة أن للّه عبدا من المقربين يأمره ربه بأمر فلا يمتثل أمره فقال يا رب ائذن لي أن ألعنه فلعن نفسه بنفسه ألف عام وكان اسمه في سماء الدنيا العابد وفي الثانية الراكع وفي الثالثة الساجد وفي الرابعة الخاشع وفي الخامسة القانت وفي السادسة المجتهد وفي السابعة الزاهد ثم بعد ذلك سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة اللّه . وفي الإحياء قال عيسى عليه السلام : يا معشر الحواريين أنتم تخافون المعاصي ونحن معاشر الأنبياء نخاف الكفر . وشكا نبي من الأنبياء الجوع والقمل والعري سنتين فأوحى اللّه إليه أما رضيت إن عصمت قلبك أن يكفر بي حتى تسألني الدنيا فأخذ التراب وجعله على رأسه وقال : رضيت يا رب فاعصمني من الكفر . ورأيت في سورة الرعد من تفسير القرطبي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لولا عفو اللّه ورحمته وتجاوزه لما هنأ لأحد عيش ، ولولا عقابه ووعيده وعذابه لا تكل كل أحد » .