عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

80

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

والكثافة حظ العظم والرقة حظ الدماغ ، فلما جمع بين المتضادين في صورة واحدة مدح نفسه بقوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] . ( فوائد لعلاج البدن ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « عباد اللّه تداووا فإن اللّه تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء وشفاء إلا داء واحدا قيل : يا رسول اللّه ما هو ؟ قال : الهرم » رواه الترمذي . وقال الشافعي رضي اللّه عنه : صنفان لا غنى للناس عنهما العلماء لأديانهم والأطباء لأبدانهم ، وقيل إن أول من وضع علم الطب شيث عليه السلام وقيل إدريس استخرج علم الطب والصنائع . قال ابن الجوزي : والظاهر أن الطب من وحي اللّه تعالى وإلهامه ، وقيل إن كثيرا منه مأخوذ من الحيوانات ، ويدل عليه أن الذئب إذا مرض ألهمه اللّه أكل الجعدة فيبرأ ، والحية إذا خرجت من الأرض في أول الصيف فإنها تخرج عمياء فتكتحل بالشونيز فيرد اللّه تعالى بصرها ، والهر إذا أكل شيئا مسموما يطلب الزيت ولو من السراج فإذا أكله برئ ، والجمل إذا مرض أكل شيئا من شجر البلوط ، والخنزير إذا مرض أكل السرطان فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ غافر : 64 ] . ( الأولى ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من ساء خلقه عذب نفسه ومن كثر همه سقم بدنه ومن لاح الرجال ذهبت كرامته وسقطت مروءته » ( لاحى ) أي ضارب وخاصم ، وقيل لما خلق اللّه الهم قال : يا رب أين أسكن ؟ قال : قلب عبدي المؤمن . وقال النيسابوري في قوله تعالى : وَالضُّحى ( 1 ) [ الضحى : 1 - 2 ] أي أظلم أقسم سبحانه بساعة من النهار وهي وقت الضحى ثم أقسم بالليل كله إشارة إلى أن هموم الدنيا كثيرة أكثر من سررها لأن النهار محل السرور فأقسم ببعضه والليل ظلمة يشابه الهموم فأقسم بجميعه ، ثم خلق اللّه غمامة عن يسار العرش فأمطرها هموما وأحزانا ثلاثمائة عام ، ثم خلق غمامة بيضاء عن يمين العرش فأمطرها سرورا ساعة واحدة . ( الثانية ) في علل الرأس قال أنس رضي اللّه عنه : احتجم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من وجع كان برأسه ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أصابه وجع الصداع خضب رأسه بالحناء . وسيأتي منافع الحناء في باب العدل واجتناب الظلم ، ومما ينفع من الصداع بزر قطونا مع الخل يضمد به الرأس ، وكذلك شم المسك أو ماء الورد أو أكل الخيار أو القثاء وشمهما أو لطخ الرأس بالسدر أو الخل والنزلة ينفعها شم الكمون إذا عجن بالخل ، والنخالة إذا طبخت ووضعت على حجر الرحى إذا أحمي على النار ورش عليه الخل ويتلقى بخاره نفع الرأس نفعا جيدا . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما مررت بملإ من الملائكة ليلة المعراج إلا قالوا : مر أمتك بالحجامة » ولا جاءه من يشكو وجعا في رجليه إلا أمره بالحناء فيهما وينفع من وجع الرأس أيضا عصارة حي عالم مع دهن الورد يدهن به الرأس والاكتحال بعصارته أيضا ينفع من الرمد الحار . وقال في زاد المسافر : دخان الأنيسون يسكن الصداع ويحلل الزكام إذا استنشقه . واعلم أن قوام البدن بالرأس لأنه منقسم على الطبائع الأربع : فالشق الأيمن معد للصفراء والأيسر للسوداء والمؤخر للبلغم والمقدم للدم ، فإن تألم اليمين فالصداع من الصفراء وعلامته العطش وجفاف اللسان أو السهر وعلاجه