عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
350
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
وإذا استقى من بئر ماء تصير شعبتاها دلوا وإذا استوحش تؤنسه بالخطاب ، فأقبل موسى على فرعون وقال إن اللّه تعالى أرسلني إليك وهو يقول يا عبدي خلقتك ورزقتك وأحسنت إليك وأنعمت عليك ولك أربعمائة عام تبارزني بالعداوة فهل لك في المصالحة بكلمة واحدة لا إله إلا اللّه أغفر لك ما قد سلف وأعطيك غرائب التحف وأزيدك أربعمائة أخرى وكان فرعون في قبة طولها ثمانون ذراعا وله كرسي في أعلاها فقال يا موسى أمهلنا إلى يوم الزينة قيل هو يوم السبت وقيل يوم عيدهم فأمهلهم فجمع سبعين ألف ساحر فاختار منهم سبعة آلاف واجتمع الناس في ذلك اليوم وفرعون على سريره في القبة على رأسه تاج بصفائح الذهب وفيه جوهرة عظيمة إذا طلعت الشمس لا يستطيع أحد أن يملأ عينيه من النظر إلى وجه فرعون فألقوا سبعين حملا من الحبال والعصي المملوءة من الزئبق قال وهب : كانت الحبال فرسخا في فرسخ فلما اشتد الحر تحرك ذلك كله فأقبل موسى وعليه جبة صوف وبيده العصا وقد حصل له خوف فقال اللّه تعالى : لا تخف إنك أنت الأعلى وألق عصاك فألقاها فصارت ثعبانا أنيابها كالأسنة ففتحت فاها وكانت العصا كلما مرت على صخرة صارت رملا فابتلعت سحرهم ثم مالت تحو العساكر فحطم بعضهم بعضا ونفذت فيهم سهام القضاء ثم توجهت نحو قبة فرعون فوضعت فكها الأسفل على أسفل القبة والأعلى على أعلاها فنادى يا موسى الأمان فلما رأت السحرة ذلك علموا أنه من قدرة اللّه المالك فخروا ساجدين وقالوا آمنا برب العالمين . ( لطيفة ) الباطل له صولة وما له دولة كان للسحرة صولة وما كان لسحرهم دولة جاءوا لأجل فرعون وهامان وعليهم ثياب الخذلان فسبق لهم من ربهم توقيع الأمان فجزاهم الرحمن سجدة واحدة قصور الجنان وأنت يا مؤمن تسجد كثيرا لأجل الرحمن فلك الفوز والأمان . ( فائدة ) لما توجه موسى عليه السلام إلى فرعون لعنه اللّه دعا بهذه الدعوات لا إله إلا اللّه العلي العظيم سبحان اللّه رب السماوات السبع والأرضين وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد للّه رب العالمين اللهم إني أدرأ بك في نحره وأعوذ بك من شره وأستعين بك عليه فاكفنيه بما شئت فتحول خوفه أمنا . ( مسألة ) لو قال لوكيله بعه بما شئت باعه بنقد البلد وغيره حالا بثمن مثله ، ولو قال بعه كيف شئت باعه بالحال والمؤجل بثمن مثله من نقد البلد ، ولو قال بكم شئت باعه بالقليل والكثير من نقد البلد حالا حكاه الإسنوي عن الرافعي . ( موعظة ) رأيت في البحر المحيط لأبي حيان كلم اللّه موسى في ألف مقام وعلى أثر كل مقام يرى النور على وجهه ثلاثة أيام ولم يقرب النساء منذ كلم اللّه تعالى ، وفي غير البحر المحيط ناجاه بمائة ألف كلمة وأربعة وعشرين ألف كلمة في كل كلمة يقول يا موسى وقتلت نفسا بغير نفس . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لزوال الدنيا أهون على اللّه تعالى من قتل رجل مسلم » وروى النسائي والبيهقي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قتل المؤمن أعظم عند اللّه من زوال الدنيا » وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كل ذنب عسى اللّه أن يغفره إلا رجل يموت كافرا أو الرجل يقتل