عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
35
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
( حكاية ) قالت حفصة بنت عمر رضي اللّه عنهما لأبيها : يا أبت البس ألين الثياب فقال : يا حفصة ألست تعلمين أن أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته ؟ قالت نعم قال : ناشدتك اللّه هل تعلمين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع هو وأهله غدوة إلا جاعوا عشية ولا شبعوا عشية إلا جاعوا غدوة ؟ قالت نعم قال : ناشدتك اللّه هل تعلمين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يغسل ثيابه فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فلا يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة حتى يلبس شيئا من ثياب نسائه فيخرج به إلى الصلاة ؟ قالت نعم قال : ناشدتك اللّه وما زال يذكرها حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بكى وأبكاها . ( فائدة ) قال بعض المفسرين في قوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [ فاطر : 32 ] أي آخذ من الدنيا أكثر من الكفاية والسابق الذي لم يأخذ شيئا ، وقيل الظالم أهل الدنيا والمقتصد أهل الآخرة والسابق أهل اللّه . وفي الحديث : « الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل النار والدنيا والآخرة حرام على أهل اللّه » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه » . فصل في التوكل قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه » وقال الحسن البصري رضي اللّه عنه : التوكل هو الرضا بفعل اللّه تعالى . اعتماد القلب على اللّه تعالى . وسيأتي الفرق بين التوكل والتسليم والتفويض آخر الباب . ( حكاية ) رأيت في كتاب العقائق أن بعض العارفين رأى رجلا يتبختر على فرسه فسأله عن ذلك فقال : أنا غلام السلطان فقال صف لي قربك منه فقال : أؤانسه إذا جلس وحده وأحرسه إذا نام وأطعمه إذا جاع وأسقيه إذا عطش وينظر إلي كل يوم ثلاث نظرات ، فقال الشيخ : وما يصنع بك إذا غفلت عنه ؟ قال يضربني قال : وإذا أذنبت ؟ قال يعاقبني ، فقال الشيخ : أنا أولى بالافتخار منك لأن مولاي هو الذي يطعمني ويسقيني ويؤنسني في الوحدة وإذا نمت يحرسني وإذا أذنبت يغفر لي ، وإن كان مولاك ينظر إليك في كل يوم ثلاث نظرات فأنا مولاي ينظر إلي في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة فقال الرجل : صدقت إني من الآن عائد إلى خدمة مولاك ، ثم إنه نزل عن الفرس وخلع ما عليه من الملابس الحسان وترك خدمة السلطان وخدم الواحد المنان . ( حكاية ) جلس رجلان قد ذهب بصرهما على طريق أم جعفر وكانت موصوفة بالكرم فكان أحدهما يقول : اللهم ارزقني من فضلك والآخر : اللهم ارزقني من فضل أم جعفر وكانت هي تعلم منهما ذلك فكانت ترسل لطالب فضل اللّه درهمين ولطالب فضلها دجاجة مشوية في جوفها عشر دنانير فكان يبيعها لصاحبه بدرهمين وهو لا يعلم ما في جوفها وأقام على ذلك