عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

232

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

وليلا من البيت الحرام بمكة * إلى المسجد الأقصى بك اللّه قد أسرى ركبت على ظهر البراق معظما * إلى سدرة للمنتهى فاقت السدرا رأيت كما أخبرت ربك ما له * شبيه ومن آياته الآية الكبرى وحياك منه بالسلام ولم ينل * سواك نبي هذه الليلة الغرا ومن ثم تخفيف الصلاة عن الورى * وخمسين كانت تلزم العبد والحرا فما زلت في تخفيفها مترددا * إليه فأبقى الفرض من ذلك العشرا وذلك عن رأي الكليم وأنها * لساقطة فعلا ومحسوبة أجرا وحين دجا ليل الضلالة حالكا * طلعت به بدرا وكنت له الفجرا عليك صلاة اللّه ثم سلامه * سلام يعير المسك من نشره عطرا إن قيل هي في الأزل خمس فما الحكمة في كونها خمسين تلك الليلة ؟ فالجواب ليظهر شرف النبي صلى اللّه عليه وسلم بقبول شفاعته في التخفيف عن أمته . فإن قيل : ما الحكمة في أن موسى هو الذي أشار على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يراجع ربه دون إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم وهو أعلى مقاما منه ؟ قيل لأن إبراهيم مقامه مقام التفويض والتسليم ألا تراه لما قال له جبريل ألك حاجة قال أما إليك فلا قال سل ربك فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي . فإن قيل مقام إبراهيم في السماء السابعة وموسى في السادسة وجاء في رواية أن النبي صلى اللّه عليه وسلم وجد إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة : فالجواب مقام إبراهيم في السابعة لكنه نزل لملاقاته في السادسة وموسى مقامه في السادسة لكن مشى في خدمته إلى السابعة ، قال العلائي وغيره : قال اللّه تعالى بعد أن خففت الصلاة : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [ البقرة : 285 ] فقلت آمنت بك وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ [ البقرة : 285 ] قرأ حمزة لا يفرق بالياء المثناة من تحت بالبناء للمفعول قراءة شاذة بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] كما فرقت اليهود والنصارى بين موسى وعيسى وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ [ البقرة : 285 ] أي نطلب مغفرتك وَإِلَيْكَ [ البقرة : 285 ] أي اغفر لنا فإن مرجعنا إليك يوم القيامة فقال غفرت لك ولأمتك ثم قال سل تعط فقلت رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] فقال اللّه تعالى لك ذلك سل تعط فقلت رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [ البقرة : 286 ] أي لا تجعل توبة أمتي بالقتل كغيرهم وهم قوم موسى الذين عبدوا العجل . وذلك أن موسى لما أمر قومه بقتل أنفسهم اعتزلوا فجاءهم هارون باثني عشر ألفا ما عبدوا العجل بأيديهم السيوف ثم قال اصبروا لعن اللّه رجلا قام من موضعه فضربوا فيهم بالسيف إلى المساء وكان قد أرسل اللّه عليهم سحابة حتى لا يعرف الوالد ولده فقال موسى وهارون يا ربنا هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فكشف اللّه السحابة وسقطت السيوف من أيديهم فانكشف الحال عن سبعين ألف قتيل فقال اللّه تعالى : قد غفرت للقاتل وتبت على المقتول ، فعلى هذا يكون قوله تعالى : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 54 ] أي استسلموا للقتل ، ومنهم من حمل الآية على ظاهرها فيكون من عبد العجل قتل بعضهم