عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
233
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
بعضا ، هذا ولما طلب محمد صلى اللّه عليه وسلم أن تكون توبة أمته بغير القتل قال اللّه تعالى اجعل توبتهم الندامة سل تعط فقلت وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا [ البقرة : 286 ] فقال لك ذلك إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [ الأنفال : 65 ] وإنما دعا بثلاث دعوات لأن اللّه تعالى عذب ثلاث أمم واحدة بالخسف وهو قارون وقومه وواحدة بالمسخ وهم قوم داود وواحدة أمطر عليهم الحجارة وهم قوم لوط فالعفو عن الخسف فقال تعالى : لا أخسف أبدا بأبدان أمتك بل أخسف بذنوبهم حتى لا تراها الملائكة والمغفرة عن المسخ فقال تعالى لا أمسخ أبدان أمتك بل أمسخ ذنوبهم فأبدل السيئات بالحسنات والرحمة عن الحجارة فقال لا أمطر عليهم الحجارة بل أمطر عليهم الرحمة بفضلي ، قالت عائشة رضي اللّه عنها : يا رسول اللّه كم جرى بينك وبين اللّه كلمة قال اثنا عشر ألف كلمة كلها في شأن أمتي فأجابني إلى ما سألت . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) [ النجم : 10 ] قال له يا محمد عبدتنا في الخلوة فاشفع لأمتك في الجلوة وقيل أوحى اللّه تعالى إليه أنهم يطيعوني ويعصوني فطاعتهم برضائي ومعصيتهم بقضائي فما كان برضائي أقبله وما كان بقضائي أغفره . ( فائدة ) قال الشيخ خليفة وهو من أصحاب مشايخ البهجة رضي اللّه عنه : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام سبع عشرة مرة في ليلة واحدة وعلمني هذا الدعاء : اللهم إن حسناتي من عطائك وسيئاتي من قضائك فجد بما أعطيت على ما قضيت وامح ذلك بذلك جللت أن تطاع إلا بإذنك أو تعصى إلا بعلمك اللهم ما عصيتك حين عصيتك استخفافا بحقك ولا استهانة بعذابك لكن بسابقة سبق بها علمك فالتوبة إليك والمعذرة لديك . قال العلائي في آخر سورة البقرة : والحكمة في عدم ذكر لفظة ربنا في قوله : واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أن النداء إنما يكون عند البعد والبعد إذا لازم التضرع يترقى من مقام النداء إلى مقام المناجاة ، وقيل واعف عنا في سكرات الموت واغفر لنا في ظلمة القبر وارحمنا في أهوال القيامة . ورأيت في تفسير أبي حيان المسمى بالبحر المحيط واعف عنا من الأفعال واغفر لنا من الأقوال وارحمنا بثقل الميزان . ورأيت في البسيط للواحدي لما سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية من ربه بغير واسطة قالت الملائكة يا محمد قد أحسن اللّه الثناء عليك بقوله آمن الرسول فاسأل ربك فعلمه جبريل هذه الدعوات المذكورة ، قال في البحر المحيط : سورة البقرة مدنية إلا قوله تعالى آمن الرسول الآية فإنها نزلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم في تلك الحضرة . قال النسفي : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في تلك الحضرة يا رب لكل قادم من سفره تحفة فما تحفة أمتي إذا قدموا عليك ؟ قال تحفتهم كرامتهم ما عاشوا ورحمتهم إذا ماتوا ورأفتي بهم إذا بعثوا ثم قال يا محمد ولكل قادم من سفره هدية فما هديتهم إذا قدموا فقال بإحدى يديه هذه فيها تقصير الطائعين وفي الأخرى ذنوب المقصرين فقال أتجاوز عن تقصير الطائعين بكرمي وعن ذنوب المقصرين بشفاعتك ، وقيل إنه قال يا رب أنت أحسنت إلى الطائع والمسئ ينظر عفوك فقال يا محمد هديتي منهم كلمة التوحيد . ( لطائف : الأولى ) يستحب للمسافر أن يصحب معه إذا قدم على أهله أو على من سافر