عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

189

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

وهو النار وسراج في السماء وهو الشمس وسراج في الجنة وهو عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كما سيأتي في مناقبه ، وسراج في الدين وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم وإنما قال تعالى وسراجا منيرا وما قال سراجا مضيئا لأن الضياء تذهبه الظلمة والنور يذهبهما ، وإذا قلنا بالجواب الأول وهو أن الشمس سراجا ومحمد صلى اللّه عليه وسلم سراج فيكون وجه الشبه أنه بوجود الشمس يحرم الطعام على الصائم وبغروبها يحل له ذلك وبوجود حب محمد صلى اللّه عليه وسلم تحرم النار على المؤمن وبفقد حبه تحل له النار ، وقيل إنما كان المعراج بالليل لأنه أفضل من النهار لتقدمه في الخلق عليه ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وغيره لقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [ يس : 37 ] وقال مجاهد وعكرمة رضي اللّه عنهما : خلق النهار أولا لأنه ضياء والنور مقدم على الظلمة ، وتقدم في باب الجمعة عن قتادة خلافه وقيل إنما كان المعراج بالليل ليرد على الثنوية قولهم النهار خالق للخير والليل خالق للشر فجعل اللّه تعالى كرامة الأحباب ليلا ليعلم أن الخير والشر بقدرة اللّه تعالى . قوله تعالى : مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الإسراء : 1 ] قال أنس : هو الكعبة وقيل من بيت فاختة المشهورة بأم هانئ رضي اللّه عنها بنت أبي طالب . وقوله تعالى : إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [ الإسراء : 1 ] يعني بيت المقدس وسمي أقصى لبعده عن مكة وسمي مقدسا لأنه مقدس مطهر من الأصنام ويتطهر فيه من الذنوب . وفي صحيح البخاري أي مسجد وضع أولا قال صلى اللّه عليه وسلم المسجد الحرام قال أبو ذر رضي اللّه عنه ثم أي ؟ قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما ؟ قال أربعون سنة ، فإن قيل الكعبة أول بيت وضع للناس والأقصى بناه داود عليه الصلاة والسلام وبينهما أكثر من أربعين سنة قيل لعله بني ثم خرب ثم جدد عمارته داود عليه الصلاة والسلام وبينه وبين إبراهيم أحد عشر جدا وسبب بنائه لبيت المقدس أن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام إني وعدت إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أمرته بذبح ولده فصبر أن أكثر ذريته حتى تكون عدد نجوم السماء وقد أقسمت أن أبتليهم ببلية يقل فيها عددهم وهي إما القحط ثلاث سنين أو أسلط عليهم عدوهم ثلاثة أشهر أو الموت ثلاثة أيام فأخبرهم داود بذلك فقالوا أما القحط والعدو فلا طاقة لنا بهما ، وأما الموت فلا بد منه فأمرهم أن يتجهزوا للموت فاغتسلوا وتكفنوا فمات منهم في يوم وليلة ألوف كثيرة فلما كان في اليوم الثاني تضرع داود عليه الصلاة والسلام وقال يا إلهي الخل الحامض لي وبنو إسرائيل يضرسون يعني الذنب مني والعقاب عليهم وذنبه عليه الصلاة والسلام أنه عجب بكثرة قومه حي كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفا فرفع اللّه عنهم الطاعون فقال لهم داود عليه الصلاة والسلام : قد رحمكم اللّه فابنوا له مسجدا فكان ينقل الحجارة على ظهره فأوحى اللّه إليه أن هذا يكون بيتا مقدسا ويكون تمام عمارته على يد ولدك سليمان فلما مات داود أخذ سليمان عليه الصلاة والسلام في بنائه فكانت الجن ينحتون الحجارة والجواهر فكره ما يسمعه من صوت النحت فقال انحتوه بلا صوت إن استطعتم فقالوا له إن عفريتا له حيلة في نحتها بلا صوت فطلبه فلما جاءه قال يا نبي اللّه إني ضحكت في طريقي من أشياء رأيتها رأيت رجلا على نهر يسقي بغلته ثم ملأ جرته وأوثق بغلته