عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
188
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
كماله صلى اللّه عليه وسلم ، فالإسراء به صلى اللّه عليه وسلم يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب يقتضي كونه مكملا لغيره من الأرواح البشرية ، ولا شك أن هذا الثاني أكمل لأن أعلى مقامات العبد أن يكون عالما معلما لغيره ، فمقام التسبيح بداية ومقام التحميد نهاية أو لأن الإسراء منافعه خاصة به صلى اللّه عليه وسلم ومنافع الكتاب العزيز عامة والمنافع العامة أفضل من المنافع الخاصة . ( قوله تعالى ليلا ) مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل للتأكيد وهو منصوب على الظرفية ونكره لأن الإسراء في بعض الليل ، وقيل أسري به ليلا دون النهار لأن الإيمان بالغيب أقوى من الإيمان بالشهادة ، وقيل لأن الملك لا يدعو لحضرته ليلا إلا من هو خاص عنده ، وقيل لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم بدر والبدر لا يكون إلا بالليل ، وقيل أسري به ليلا لأنه انكسر خاطره بقوله تعالى : فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ [ الإسراء : 12 ] فجبره اللّه تعالى بعروج محمد صلى اللّه عليه وسلم فيه ، وقيل لأن الليل خلق من الجنة والنهار خلق من النار وذلك لما دخل جبريل الجنة وجد فيها لمعة سوداء فأخرجها بإذن اللّه تعالى فخلق منها الليل ثم دخل جبريل النار فوجد فيها لمعة بيضاء فأخرجها بإذن اللّه تعالى فخلق منها النهار . ( حكاية ) النهار افتخر على الليل بثلاث صلوات وبساعة الإجابة يوم الجمعة وتقدم بيانها في بابها وبصيام رمضان فقال النهار أيها الليل لك الغفلة والنوم ولي اليقظة للقوم ولا شك أن لك السكون ولي الحركة وكم في الحركة من بركة وفي تطلع الشمس الباهرة فلي عليك المفاخرة فقال الليل : إن كان فخرك بشمسك فشمسي قلوب أهل الحضرة أهل التهجد والفكرة أين أنت من شراب المحبين وقت الخلوة والصفا أين أنت من معراج المصطفى أين أنت من قوله تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [ الإسراء : 79 ] أين أنت لما خلقني ربي قبلك ، أين أنت من ليلة القدر التي فيها المواهب ، أين أنت من قوله تعالى في الحديث القدسي في آخر كل ليلة يقول هل من سائل هل من تائب ؟ أين أنت من قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) [ المزمل : 1 ، 2 ] أين أنت من قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] فإن قيل : لم سماه اللّه تعالى سراجا في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ( 46 ) [ الأحزاب : 45 ، 46 ] وما سماه شمسا ولا قمرا قيل الشمس أيضا سماها سراجا قال تعالى : وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً [ النبأ : 13 ] فسماه باسم عام لأن كل شيء يستضاء به يسمى سراجا ، وقيل لأن الشمس بعيدة وهو صلى اللّه عليه وسلم قريب من كل قاصد ، وقيل لأن الناظر إذا أحدق نظره في الشمس ضعف بصره بخلاف السراج فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا أحدق به أحد زاد بصره ، وقيل لأن السراج من آلات الفقراء والضعفاء وهو صلى اللّه عليه وسلم لا متكبر ولا متجبر ذكر هذه الأجوبة ابن الجوزي رضي اللّه عنه . قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى : وعندي جواب آخر وهو أن الشمس عبدت من دون اللّه تعالى بخلاف السراج فإنه لم ينقل أن أحدا سجد له بخصوصه ولم يقل له أحد هذا ربي بخلاف الشمس فكما طيب اللّه ذاته الشريفة طيب أسماءه الحسنى ، وفي كتاب البركة كان يقول إذا دخل عليه المصباح اللهم أتمم لنا نورنا إلى يوم القيامة قال ابن العماد : السرج خمسة سراج في القلب وهو المعرفة وسراج في الدنيا