عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
159
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
( الثانية ) يكره أن يقال للمدينة يثرب الآن لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قال للمدينة يثرب فليستغفر اللّه هي طابة » رواه ابن عازب رضي اللّه عنه . قال في الوجوه المسفرة عن اتساع المغفرة . قال البرماوي في شرح البخاري : يكره أن يقال للمدينة المشرفة يثرب لأنه من التثريب وهو التعيير والتوبيخ . وقال القرطبي في تفسيره رحمه اللّه : يثرب اسم رجل من العمالقة نزل بهذه الأرض فسموها باسمه . ( حكاية ) لما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة أسند ظهره إلى جدار امرأة كافرة فسدت الطاقات وغلقت الأبواب حتى لا تسمع كلامه وصوته فنزل جبريل عليه السلام ونهاه عن الاستظلال بجدارها قال له فإنك أبغض الخلق إليها ثم عرج إلى السماء ثم نزل وقال يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول إن كانت هذه المرأة كافرة فجاهك كبير فلأجل وقوفك في ظل الجدار غفرت لها الذنوب والأوزار وقد فتحنا أبواب السماء وأبواب قلبها فبادرت المرأة في الحال بفتح الدار وقبلت قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم قاله في كتاب الحقائق . ورأيت في كتاب الزهر الفائح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان جالسا في أصحابه فمرت به امرأة مشركة معها صبي دون شهرين فلما دنت منه صلى اللّه عليه وسلم عبست في وجهه فانتفض الطفل وترك ثديها وقال يا ظالمة نفسها تعبسي في وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال : السلام عليك يا رسول اللّه ويا أكرم الخلق على اللّه فقال من أخبرك أني أكرم الخلق على اللّه ؟ قال أعلمني بذلك ربي فقال جبريل عليه السلام صدق الغلام ثم قال : يا نبي اللّه ادع اللّه أن يجعلني من خدمك في الجنة فدعا له فمات في الحال فقالت أمه : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [ الإسراء : 81 ] أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه وا شوقاه على ما فاتني منك يا رسول اللّه فقال أبشري فقد هدم الإسلام عنك ما فعلتيه في الجاهلية وإني لأنظر إلى كفنك وحنوطك مع الملائكة في الهواء فماتت أيضا في الحال فصلى عليها النبي صلى اللّه عليه وسلم . ورأيت في روض الأفكار أن امرأة خرجت تسمع كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم فرآها شاب فقال لها إلى أين ؟ قالت أسمع كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم قال أتحبينه ؟ قالت نعم قال فبحقه ارفعي نقابك حتى أنظر إلى وجهك ففعلت ثم أخبرت زوجها بذلك فأوقد تنورا ثم قال بحقه عليك ادخلي التنور فألقت نفسها فيه ثم ذهب وأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك فقال : ارجع واكشف عنها فرجع فرآها سالمة وقد جللها العرق . ورأيت في تفسير قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ المائدة : 54 ] نزلت في اثني عشر ألف رجل من أهل اليمن دخلوا مكة للحج فدعاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا نريد علامة فأخذ قضيبا ووضعه على هبل بعد أن جردوه من الديباج وقال يا هبل من أنا ؟ فقال بلسان فصيح : أنت رسول اللّه فسجدوا كلهم للّه تعالى وأعلنوا بالشهادتين . قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى : هبل صنم وهو الآن عتبة لباب السلام بمكة كنت كثيرا أخلع نعلي عليه حين أدخل وأضعهما عليه إذا أردت لبسهما حين أخرج . ورأيت في قوله تعالى : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [ محمد : 15 ] أي غير متغير وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [ محمد : 15 ] إن نهر الماء لموسى عليه الصلاة والسلام ، ونهر اللبن لسليمان عليه الصلاة والسلام ، ونهر