عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

120

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( مسألة ) القضاء فرض كفاية فمن قام به أسقط الفرض عن الباقين فإن تعين على واحد لزمه طلبه بأن كان أهلا للقضاء دون غيره والاعتبار في التعين وعدمه بالناحية فلا يلزم من هو أهل للقضاء أن يتولاه بصفد مثلا وهو في دمشق ، قال في الروضة : فإن تعين على جماعة وامتنعوا أثموا ويجبر الإمام واحدا منهم . قال في طبقات ابن السبكي : حكى القاضي أبو الطيب أن القضاء سنة قال ابن الرفعة ولم أره لغيره . قال القاضي : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام فقال لي يا فقيه فكان يفتخر ويقول سماني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقيها وعاش أكثر من مائة سنة ولم تتغير له جارحة فسئل عن ذلك فقال : ما عصيت اللّه بجارحة ، وحيث أطلق القاضي في العراقيين فهو أبو الطيب أو في الخراسانيين فالقاضي حسين وعند الأصوليين فالباقلاني مات القاضي أبو الطيب واسمه طاهر بن عبد اللّه سنة خمسين وأربعمائة . ( مسألة ) يجب على القاضي أن يسوي بين الخصمين في الدخول عليه وقيام لهما وسائر أنواع الإكرام حتى لو سلم أحدهما لا يرد عليه حتى يسلم الآخر فيرد عليهما ، ولا بأس أن يقول له سلم فإذا سلم أجابهما ويجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وبين يديه أولى ويرفع المسلم عن الكافر فإذا ازدحم خصوم عند القاضي قدم الأسبق ، والعبرة بسبق المدعي لا المدعى عليه فإن جهل السابق أو جاءوا دفعة واحدة أقرع بينهم ولا يقدم سابق وقارع إلا بدعوى واحدة ، ويؤخر الثانية حتى يفرغ القاضي وهكذا المفتي لا يكتب للسابق إلا على مسألة واحدة ويكره له أن يقضي حال جوع أو عطش وفرح وحزن شديدين وملالة ومدافعة أخبثين ونعاس وحضور طعام يتوق إليه وغضب ، وهل يكره أن يقضي حال غضبه للّه ؟ خلاف أطلق الرافعي والنووي رضي اللّه عنهما والمعتمد عدمه . ( فوائد : الأولى ) قال الإمام فخر الدين الرازي رضي اللّه عنه : اعلم أن المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها ثلاثة : الشهوة والغضب والهوى ، فبالشهوة يصير الإنسان ظالما لنفسه ، وبالغضب يصير ظالما لغيره ، وبالهوى يتعدى ظلمه إلى حضرة جلال اللّه تعالى فلهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى اللّه أن يتركه ، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد والظلم الذي عسى اللّه أن يتركه هو ظلم الإنسان لنفسه » ، فمنشأ الظلم الذي لا يغفر هو الهوى ومنشأ الظلم الذي لا يترك هو الغضب ومنشأ الظلم الذي عسى اللّه أن يتركه الشهوة ثم لهذه الثلاثة نتائج البخل والحرص نتيجة الشهوة والكبر والعجب نتيجة الغضب والكفر والبدعة نتيجة الهوى فإذا اجتمعت هذه الستة في بني آدم تولد له فلهذا منها سابعة وهي الحسد فلذا ختم اللّه مجامع الشرور الإنسانية بالحسد قال تعالى : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ( 5 ) [ الفلق : 5 ] كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة فقال تعالى : الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [ الناس : 5 ، 6 ] فليس في بني آدم أشر حسد ، بل قيل إن الحاسد أشر من الحسد إبليس . قال فرعون لإبليس : هل تعلم أحدا أشر مني ومنك ؟ قال : الحاسد وهو أول معصية في السماء لأن