عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
119
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
( الخامسة ) رأيت في روض الأفكار قال الفضيل بن فضالة : أصابني دين فكنت أقول بإلحاح : يا ذا الجلال والإكرام بحرمة وجهك القديم اقض عني ديني فقال لي قائل في المنام : كم تلح على اللّه بوجهه الكريم اذهب إلى موضع كذا وخذ منه قدر دينك قال فتعلمه بعض أصحابي فكان يقول : يا ذا الجلال والإكرام بحرمة وجهك الكريم أعطني صحة في تقوى وطول عمر في حسن عمل وسعة رزق ولا تعذبني عليه فأعطاه اللّه الثلاثة . ( حكاية ) كان في بني إسرائيل ثلاثة من القضاة فأراد اللّه تعالى أن يمتحنهم فأرسل اللّه تعالى ملكين أحدهما على فرس ومعها ولدها والآخر على بقرة فدعا صاحب البقرة المهرة فتبعته فقال راكب الفرس المهرة بنت فرسي وقال الآخر لا بل هي بنت بقرتي فتخاصما ثم ذهبا إلى قاض منهم فدفع له صاحب البقرة الرشوة فحكم له بأنها بنت البقرة ثم ذهبا إلى الثاني فدفع أيضا له الرشوة فحكم له بها أيضا فتحاكما إلى الثالث فقال إني حائض فقال : الرجل لا يحيض فقال كيف تلد البقرة فرسا ؟ فهذا قولهم قاضيان في النار وقاض في الجنة . نقل ولي اللّه تعالى الشيخ العارف باللّه تقي الدين الحصني رضي اللّه عنه في مقمع النفوس أن قاضيا صالحا حضره الموت وكان في زمنه رجل ينبش القبور ويأخذ الأكفان فدعاه وأعطاه ثمن كفنه لئلا يكشف عنه فلما دفن نبش قبره فلما قرب من اللحد سمع قائلا يقول : شم قدميه قال فيهما معصية قال شم بصره قال كذلك حتى شم سمعه قال إنه أصغى إلى كلام أحد الخصمين أكثر من الآخر فنفخ فيه فالتهب نارا . وقال الثعلبي رضي اللّه عنه : مر عيسى عليه الصلاة والسلام على جماعة قد قلعوا عيونهم فسألهم عن ذلك فقالوا مخافة من عاقبة القضاء فقال أنتم الحكماء والعلماء فامسحوا أعينكم وقولوا بسم اللّه الرحمن الرحيم ففعلوا فإذا هم كما كانوا . ( موعظة ) قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من ولي القضاء أو جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين » رواه أبو داود والترمذي وقال الحاكم صحيح الإسناد أشار بالذبح بغير سكين لطول التعذيب . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : » ما من رجل يلي عشرة فما فوق ذلك ، إلا أتى اللّه مغلولا يوم القيامة يداه إلى عنقه » وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه مع القاضي ما لم يجر فإذا جار تخلى عنه » رواه الترمذي والحاكم إلا أنه قال : تبرأ اللّه منه . ( لطيفة ) رأى لقمان عليه السلام في منامه نصف النهار قائلا يقول : هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق فقال : إن خيرني اللّه تعالى تخيرت العافية ولم أقبل البلاء فإن عزم علي فسمعا وطاعة فقالت الملائكة : ولم يا لقمان ؟ قال لأن الحاكم بأشر المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان فإن يصب فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكون في الدنيا ذليلا خير من أن يعيش شريفا ، فتعجب الملائكة من حسن كلامه فأعطاه اللّه الحكمة فاستيقظ وهو يتكلم بها واتفق العلماء على ولايته وحكمته لا نبوته ، وقال عكرمة : إنه كان نبيا .