عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

105

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

وإني لغفار لمن تاب أحشر التائبين ضاحكين مستبشرين ودعاؤهم مستجاب . وتقدم قريبا أن اللّه تعالى تاب قبل هبوطه . وذكر الغزالي رضي اللّه عنه في الإحياء أن العبد إذا كان مسرفا على نفسه فيرفع يديه يقول : يا رب حجبت الملائكة صوته أولا وثانيا وثالثا وفي الرابعة يقول اللّه تعالى إلى متى تحجبون صوت عبدي عني قد علم أنه ليس له رب يغفر الذنوب غيري أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفس محمد بيده ليغفرن اللّه تعالى يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس لعنه اللّه رجاء أن تصيبه » . ( لطيفة ) قال الحناطي : قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : الظلمات خمس والسرج لها خمسة الذنوب ظلمة وسراجها التوبة والقبر ظلمة وسراجه الصلاة والميزان ظلمة وسراجه لا إله إلا اللّه والقيامة ظلمة وسراجها العمل الصالح والصراط ظلمة وسراجه اليقين . ( فوائد الأولى ) ما الحكمة في تسليط إبليس لعنه اللّه على المؤمن ؟ قال العلائي في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام قال العلماء : فيه لطف عظيم فإنه تعالى يحيل معاصينا عليه قال تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [ البقرة : 36 ] أي فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ [ الأعراف : 20 ] وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [ الكهف : 63 ] مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [ يوسف : 100 ] وتفسيره قال النيسابوري : في أول تفسيره في أول الحكمة في تسليط إبليس لعنه اللّه على المؤمن أنه إذا أوقعه في معصية وتاب منها يكون أشد عليه ممن لم يوقعه في المعصية كالصياد إذا وقع في شبكته صيد ثم ذهب فإنه يكون أشد عليه مما قبل وقوعه . وقال أيضا : مثال المؤمن مع إبليس كشجرة مر عليها رجل فأخذ منها سواكا مثلا يخاصمه صاحبها لأنها تنبت غيره فإن أخذ فأسا وأراد قطعها منعه من ذلك وخاصمه فالمعصية كالسواك فيخلفها بحسنة والكفر كالفأس فإذا أراد الشيطان أن يوقعه في الكفر منعه اللّه من ذلك . ( الثانية ) ما الحكمة في خلق إبليس لعنه اللّه ؟ فالجواب : أراد اللّه تعالى أن يغفر ذنوبنا ويردها عليه فيضاعف عليه العذاب ، وأيضا فلولا النار لم يظهر فضل المؤمن إما بالمخالفة له أصلا وذلك بتوفيق اللّه تعالى وإما بالتوبة عما فعله بوسوسة مع موافقة القدر ، لأن المدينة لا بد لها من كناس يدفع عنها القاذورات فلا يغني عنهم صاحب المسك شيئا فالقلب مدينة والنفس منتنة فخلق اللّه إبليس كناسا لها ، وأيضا فاللّه تعالى كان قادرا على نصر المؤمنين في الحرب فهزمهم ليجدوا الشهادة ، ثم نصرهم ليجدوا الغنيمة كذلك نصرهم على الشيطان ليجدوا الجنة ، ثم غلبهم الشيطان مرة أخرى فأوقعهم في الشهوات فإذا تابوا فقد حصلت لهم لذة الدنيا والآخرة . قال ابن العماد في كشف الأسرار : خلق اللّه تعالى إبليس لعنه اللّه الظلمة الظلمة وقيل من اللعنة . وقال الرازي رضي اللّه عنه ردا على القائلين بأنه من الملائكة أنهم خلقوا من النور وهو من النار . وقال الإمام النووي رضي اللّه عنه وغيره : الصحيح أنه من الملائكة . وقال القاضي عياض رضي اللّه عنه : إنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر . وفي الحديث : « إن اللّه تعالى أراد أن يخلق لإبليس زوجة ألقى عليه الغضب فطارت منه شظية فخلق اللّه منها امرأته