عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

100

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

يمنع فاصنع بي ما يليق بكرمك أن تصنع فهتف به هاتف ما يصنع الكريم الرؤوف بمن وقف على بابه هذا الوقوف قد بدل السيئات حسنات ورفع لك الدرجات . وفي الخبر : إذا تاب العبد توقد توبته بين السماء والأرض سبعين قنديلا وينادي المناد : ألا وإن العبد قد اصطلح مع ربه . ومر بعض الصالحين على راع يرعى غنما والذئاب معها فقال متى اصطلح الذئب مع الغنم ؟ قال لما اصطلح الراعي مع اللّه تعالى . ( فائدة ) رأيت في تفسير النيسابوري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : لما أراد اللّه تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا وهو يومئذ ربوة حمراء فصلى ركعتين وقال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فأعطني سؤالي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي ورضني بما قسمت لي ، فأوحى اللّه تعالى إليه يا آدم غفرت لك ذنبك ولن يأتيني أحد من ذريتك يدعوني بمثل ما دعوتني إلا غفرت له ذنوبه وكشفت عنه غمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها ، قال النيسابوري : وهذا يقتضي أن التوبة بعد الهبوط والصحيح أنها قبله فلذلك أعاد الأمر بالهبوط مرة ثانية بقوله تعالى : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً [ البقرة : 38 ] لأن آدم عليه الصلاة والسلام وحواء لما أكلا من الشجرة قال لهما : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ البقرة : 36 ] فلما تابا وقع في أنفسهما أن الهبوط ارتفع بالتوبة فأمرهما بالهبوط ثانيا ليعلما أن حكمه تعالى باق وتحقيقا للوعد بقوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] . ( لطيفة ) وجدت المعصية من المؤمن لأن روحه وجدت بالمجاورة ريح الكافر في صلب آدم والكافر يفعل الحسنة لأن روحه وجدت ريح المؤمن أيضا ، فإذا كان يوم القيامة بسط اللّه تعالى بساط الحكمة ويضع عليه أعمال العباد فتهب ريح فيطير كل جنس إلى جنسه فتطير معصية المؤمن إلى معصية الكافر وتطير حسنة الكافر إلى حسنة المؤمن ويرث كل من المؤمن والكافر منزل الآخر في الدار التي أعدها اللّه له وذلك لأن كلا منهما في النار له منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات المؤمن ورث منزله في الجنة ومنزل الكافر أيضا فيصير له منزلان ، وإذا مات الكافر ورث منزل المؤمن ومنزله فيصير له منزلان . ذكره النسفي رحمه اللّه تعالى . ( مسألة ) اختلف العلماء في حد الكبيرة على أقوال كثيرة جمعها أبو طالب المكي رضي اللّه عنه فقال أربع في القلب وهي : الإصرار على المعصية والشرك باللّه واليأس من رحمة اللّه والأمن من مكر اللّه . وثلاث في البطن وهي : شرب الخمر وأكل مال اليتيم وأكل الربا . واثنتان في الفرج : الزنى واللواط . واثنتان في اليد : السرقة والقتل . وواحدة في جميع البدن وهي : عقوق الوالدين . وأربع في اللسان وهي : شهادة الزور وقذف المحصنات والسحر واليمين الغموس وهي التي يتعمد فيها الكذب سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ونار جهنم ،