عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

72

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( حكاية ) : مر عيسى عليه السلام بقوم يعبدون اللّه فسألهم عن عبادتهم فقالوا : نرجو الجنة ونخاف من النار فقال : مخلوقا رجوتم ومخلوقا خفتم ، ثم مر بآخرين فسألهم عن عبادتهم فقالوا نعبده حبا له وتعظيما لجلاله فقال : أنتم أولياء اللّه أمرت أن أكون معكم . وفي الإحياء مر عيسى عليه السلام بقوم قد تغيرت ألوانهم فسألهم فقالوا : خوف النار غيرنا فقال : حق على اللّه أن يؤمن خوفكم . ثم مر بآخرين أشد منهم ضعفا فسألهم فقالوا شوقا إلى الجنة فقال : حق على اللّه أن يعطيكم ما ترجون . ثم مر بآخرين أشد منهم ضعفا فسألهم فقالوا حب اللّه تعالى فقال : أنتم المقربون . وقال بعضهم في قوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [ فاطر : 32 ] أي يعبده للدنيا وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [ فاطر : 32 ] أي يعبده للآخرة وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] أي يعبده لوجهه الكريم . وقيل الظالم من يشتاق إلى الجنة ، والمقتصد من تشتاق له الجنة ، والسابق من يشتاق له المولى . ونقل عن الشيخ عبد القادر الكيلاني أنه قال : ورد عن اللّه تعالى أنه قال للدنيا انظري إلى أحبائي قد أعرضوا عنك فقالت : يا رب أنزل عليهم البلاء فإن صبروا فهم صادقون فصب عليهم البلاء صبا فقالوا : مرحبا ، مرحبا ، وتلقوه بالرضا والصبر فقال البلاء يا رب الغوث الغوث أحرقني هؤلاء بأنفاسهم فرفعه عنهم فقالت الجنة : يا رب لو رآني أحبابك لاشتغلوا عن خدمتك فكشف لهم عنها فأعرضوا عنها فقالت : يا رب إن لم يرضوني فأنا أرضى بهم فقال تعالى : هؤلاء لي وأنا لهم لا يشاركني فيهم مشارك . ( حكاية ) : دخل بعض العارفين على مريض من النصارى وهو في النزع فقال : أسلم ولك الجنة قال : لا حاجة لي بها ، قال : أسلم ولك النجاة من النار قال : لا أبالي بها ، قال : أسلم ولك النظر إلى وجه اللّه الكريم فأسلم ففاضت روحه فرئي تلك الليلة في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : أوقفني بين يديه وقال لي : أسلمت شوقا إلى لقائي ؟ قلت : نعم قال : لك عندي الرضا واللقاء . قاله النسفي وحكاه فخر الدين الرازي عن يهودي . وقيل إذا كان يوم القيامة واستقر أهل الجنة في الجنة بقي رجل في الموقف من المحبين فتأتيه الملائكة بسلاسل من نور فيقودونه إلى الجنة وهو غائب في سكرة المحبة فإذا صار إلى باب الجنة أفاق من سكره فيجذب نفسه من السلاسل ويرجع مهرولا وهو يقول : دلوني على رب الجنة والملائكة يردونه إليها فيقول اللّه تعالى : خلوا بيني وبينه . ( وقال جعفر الصادق ) في قوله تعالى : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النور : 37 ] هم الرجال من بين الرجال على الحقيقة لأن اللّه حفظ سرائرهم عن الرجوع إلى غيره فلا تشغلهم الدنيا وزهرتها ولا الآخرة ونعيمها عن اللّه تعالى لأنهم في بساتين الأنس . ( حكاية ) : قال السري السقطي : رأيت البارئ جل وعلا في المنام فقال : خلقت الخلق فادعوا محبتي فخلقت الدنيا فاشتغل عني من كل عشرة آلاف تسعة آلاف فبقي ألف فخلقت الجنة فاشتغل بها تسعمائة فبقي مائة فسلطت عليهم البلاء فاشتغل به تسعون وبقي عشرة فقلت : لا للدنيا أردتم ولا في الجنة رغبتم ولا من البلاء ضجرتم فقالوا : ألست الفاعل بنا ذلك قلت :