عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
52
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
لا يتغير بذلك وتلعب به نفسه فلا كراهة فيه وإن خيف من ذلك كره مدحه كراهة شديدة ، وأما ذكر الإنسان محاسن نفسه فإن كان لارتفاع وافتخار فمذموم وإن دفع عن نفسه ضررا أو كان ناصحا أو معلما فذلك محبوب واللّه أعلم . وأما الحمد فهو محمود مطلقا ، وقيل الحمد يكون للعبد فيه اختيار كالعلم والكرم والمدح بما ليس للعبد فيه اختيار كطول القامة وحسن الوجه ، وقيل الحمد لمن يعقل والمدح لمن لا يعقل كأن رأى جوهرة أو دابة فذكر محاسنها فهذا مدح ، وسيأتي في باب فضل العقل وأعقل الطيور الحمام وفي المنهاج في باب الأضحية فلا تجزئ عجفاء ولا مجنونة ، قال الزركشي : لو قال فلا تجزئ عجفاء ولا مجنونة لا ترعى إلا قليلا لكان أحسن لأن الجنون في البهيمة بعيد والحمد لا يكون إلا باللسان كالمدح والشكر يكون باللسان وغيره بأن تقتضي له حاجة قال تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] أي اعملوا بطاعة اللّه شكرا له على نعمه . ( فإن قيل ) : كيف قال الحمد للّه وما قال أحمد اللّه ؟ ( فالجواب ) من وجوه : الأول لو قال أحمد اللّه أفاد أن العبد حمده ، وقوله الحمد للّه يفيد أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين من الأزل إلى الأبد . الثاني : لو قال العبد أحمد اللّه ربما يكون قلبه غافلا عن التعظيم فيكون حينئذ كاذبا بخلاف قوله الحمد للّه فإنه وإن كان غافلا فهو صادق لأن معناه أن الحمد حق للّه نظيره قولنا لا إله إلا اللّه لا يدخله التكذيب بخلاف قولنا أشهد أن لا إله إلا اللّه فلذلك سقطت لفظة أشهد من آخر الأذان الثالث : الحمد للّه ثمانية حروف وأبواب الجنة ثمانية فكل باب يفتحه حرف . الرابع : أن الحمد للّه فيه اللام الدالة على الاختصاص كقولك الجل للفرس وعلى الملك كقولك الدار لزيد وعلى الاستيلاء كقولك البلد للسلطان فإن اللام في للّه تحتمل الوجوه الثلاثة . الخامس : أن الحمد للّه لها تعلق بالماضي والمستقبل فبالماضي يكون شكرا للّه تعالى على نعمه المتقدمة وبالمستقبل تجدد النعم ، قال تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] فبالماضي تغلق أبواب جهنم وبالمستقبل تفتح أبواب الجنة . ( حكاية ) : كان في الزمن الأول رجل يعبد اللّه تعالى كثيرا حتى تعجب منه جبريل فاستأذن ربه في زيارته فأذن له بشرط أن ينظر في اللوح المحفوظ فنظر فيه فوجد اسمه مكتوبا في الأشقياء فنزل إليه وأخبره بذلك فقال الرجل : الحمد للّه فظن جبريل أنه لم يسمع كلامه فأعاد عليه القول فقال : الحمد للّه لو لم أكن أهلا لذلك لما فعل بي ربي فالحمد للّه على الشدة والرخاء فتعجب جبريل منه فقال اللّه تعالى : يا جبريل انظر في اللوح المحفوظ فنظر فيه فوجد اسمه قد تحول من الأشقياء إلى السعداء . ( فوائد : الأولى ) : عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : حبس بختنصر دانيال عليه السلام في بئر خمسة أيام ومعه أسدان ثم كشف عنه فرآه سالما فقال : بم نجوت ؟ فقال قلت : الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره ، الحمد للّه الذي لا يخيب من دعاه الحمد اللّه الذي من توكل عليه كفاه الحمد للّه الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره ، الحمد للّه الذي هو ثقتنا حين