عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
278
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
( فائدة ) : قال في الإحياء : الحلم أفضل من كظم الغيظ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم وهو تكلف الحلم والحلم رفع الكلفة ككظم الغيظ بالعادة فيكون من هذه صفته حليما . قال بعض المفسرين في قوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [ فاطر : 32 ] هو الذي يظلم الناس يظلمونه ، والمقتصد هو الذي إذا ظلمه الناس اقتص منهم ، والسابق هو الذي إذا ظلمه الناس عفا عنهم . قال الرازي في قوله تعالى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] الآية . فإن قيل : ما الفرق بين الفظ والغليظ ؟ قيل : الفظ هو السيئ الخلق وغليظ القلب هو الذي لا شفقة فيه ولا رحمة . قال في الكشاف : فاعف عنهم أي فيما يتعلق بحقك واستغفر لهم أي فيما يتعلق بحق اللّه تعالى أي اطلب لهم المغفرة فما أمره بذلك إلا وهو يريد أن يغفر لهم فالحمد للّه على إحسانه . ( لطيفة ) قيس بن عاصم رضي اللّه عنه كان حليما ومن حلمه أنه جيء له بابن أخيه مكتوفا وقد قتل ابنه فقيل له : هذا ابن أخيك قتل ولدك وكان يحدث قومه فما قطع كلامه حتى فرغ ثم قال لابن أخيه : بئسما فعلت قتلت ابن عمك وقطعت رحمك وقللت عددك ثم قال لابنه الآخر : حل وثاق ابن عمك ووار أخاك واعط أمك دية ابنها فإنها ليست بقريبة لنا . باب الكرم والفتوة ورد السلام قال اللّه تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] قيل نزلت الآية في رجل أهدي له دجاجة فدفعها لجاره فدفعها الآخر إلى جاره وهكذا إلى سبع دور حتى رجعت إلى الأول . وفي مجمع الأحباب : أن بعض الصحابة رضي اللّه عنهم قصد ابن عمه بشربة ماء فلما وصل إليه سمع شخصا يشكو عطشا فأشار إليه أن اسقه فجاءه فوجد آخر يشكو عطشا فأشار إليه أن اسقه فجاءه فوجده قد مات فرجع إلى الثاني فكذلك ثم أتى ابن عمه فكذلك فتعجب من حسن إيثارهم مع شدة اضطرارهم رضي اللّه عنهم وكان ذلك في وقعة اليرموك وهو مكان معروف ينزله الحجاج في ذهابهم ويسمونه المزيريب وكان ذلك في خلافة سيدنا عمر رضي اللّه عنه . وفي صحيح البخاري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان أجود الناس وكان أجود من الريح المرسلة وما رد سائلا قط وما سئل عن شيء قط فقال لا ، قال النووي رحمه اللّه تعالى في تهذيب الأسماء واللغات : ما قال صلى اللّه عليه وسلم لا منعا من الوجدان ، وأما اعتذارا فقد قالها صلى اللّه عليه وسلم قال تعالى : قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [ التوبة : 92 ] قال في عوارف المعارف عن ابن عيينة رضي اللّه عنه : إن لم يكن عنده صلى اللّه عليه وسلم ما طلب منه وعد به . ثم قال في عوارف المعارف أيضا عن جبريل عليه السلام : ما وجدت أحدا أشد إنفاقا لهذا المال من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ( فإن قيل ) كيف قال أجود الناس وما قال أكرم الناس ؟ ( فالجواب ) أن الجود ما كان بغير سؤال والكرم بسؤال فالأول أبلغ ، وفي المنتخب أن يهوديا رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم وعليه قميصان فقال يا محمد أعطني قميصا فنزع له أجودهما فقال عمر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه هلا أعطيته الأردأ فقال : إن ديننا الحنيفية السمحة لا شح فيها كسوته أفضل القميصين ليكون أرغب له في الإسلام » .