عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

259

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

في باب المحبة قال ابن عباس : لما أسرى النبي صلى اللّه عليه وسلم مرت به رائحة طيبة فقال : يا جبريل ما هذه الرائحة ؟ قال ريح ماشطة بنت فرعون ( قال مؤلفه ) هاتان السعيدتان رضي اللّه عنهما ومثلهما ممن قتله الكفار أسيرا ليس من شهداء الدنيا الذين لا يغسلون ولا يصلى عليهم فإن عمر وعثمان قتلا ظلما وغسلا وصلي عليهما فهؤلاء شهداء الآخرة دون الدنيا ، قلت هذا مذهب الشافعي ، وأما مذهب أبي حنيفة فالماشطة وامرأة فرعون وعمر وعثمان وعلي كل من يقتل ظلما بمحدود وعلم قاتله يكون شهيد الدنيا والآخرة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ، ومثلهم المطعون والمبطون ، وكذلك الحامل إذا ماتت بعد اجتماع خلق حملها كما أفتى به النووي وأما شهيد الدنيا والآخرة الذي لا يغسل ولا يصلى عليه وله ثواب خاص في الآخرة فهو الذي مات في قتال الكفار بسبب القتال فإن عاد إليه سهمه أو وقع عن فرسه أو في بئر أو جاءه سهم من مسلم أو كافر أو وجد بعد انكشاف الحرب قتيلا ولم يعلم سبب موته وإن لم ير عليه أثر الدم . ( حكاية ) ذكر النسفي رحمه اللّه أن رجلا كان يجاهد في سبيل اللّه فإذا فرغ من القتال نفض ثيابه وجمع غبارها حتى جمع غبارا كثيرا في بعض أيام ثم جعله لبنة وأوصى أن تكون تحت رأسه في قبره ففعلوا ذلك فرآه بعض أصحابه في منامه فسأله عن حاله فقال غفر لي ببركة اللبنة . ( حكاية ) : خرج جماعة من المسلمين للجهاد فأخذهم العدو فأمرهم ملك كافر بدخولهم في دينه فأبوا فقتلهم إلا واحدا رغب فيه ثم أمره أيضا بالدخول في دينه وله من الأموال كذا وكذا فأتى فأدخله بيتا ووضع عنده جارية جميلة فلم يلتفت إليها وقرأ سورة الفتح إلى قوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [ الفتح : 29 ] فبكت الجارية وأسلمت وقالت : اخرج بنا إلى بلادكم فخرجا ليلا فلما طلع الفجر سمعا صهيل الخيل فقالت له الجارية : قد جاء الطلب في أثرنا فارجع إليهم لعلهم أصحابك فرجع فإذا هم أصحابه الذين قتلوا فقالوا نحن أصحابك الشهداء أحياء عند اللّه وستلحق بنا بعد أربعين يوما وقيل إن اللّه تعالى رزقه منها أولادا وقاتلوا في سبيل اللّه وكان ذلك في أيام عمر رضي اللّه عنه ، وقال النسفي : إنها كانت في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم . ( فائدة ) قال عمرو بن العاص رضي اللّه عنه : إذا قتل العبد في سبيل اللّه ذهبت روحه مع الملائكة إلى دار الشهداء في قباب من حرير في رياض خضر عندهم حوت وثور يظل الحوت يسبح في أنهار الجنة فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فيذكيه أي يذبحه فيأكلون لحمه ويجدون فيه كل ريح طيبة ويظل الثور في فناء الجنة يرتع فإذا أصبح وكزه الحوت بذنبه فيذكيه فيأكلون لحمه ويجدون فيه كل رائحة طيبة وذكر العلائي أن أرواح الشهداء تركع وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة ويشاركهم في ذلك أرواح المؤمنين إذا ناموا على وضوء قال في شرح المهذب : سمي الشهيد شهيدا لأن اللّه تعالى ورسوله شهدا له بالجنة ، وقيل لأن ملائكة الرحمة يشهدون روحه فيقبضونها . وقيل لأن روحه تشهد دار السلام وروح غيره لا تشهدها إلا يوم القيامة .