عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
260
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
( حكاية ) قال في صفوة الصفوة : إن حنظلة بن عامر الراهب وهو المعروف بالغسيل الذي غسلته الملائكة بعد موته أسلم دون أبيه وتزوج أم جميلة رضي اللّه عنها بنت عبد اللّه بن أبي ابن سلول لعنه اللّه ودخل في الليلة التي في صبيحتها كان قتال أحد فلما صلى الصبح أراد أن يخرج للقتال فرجع إلى زوجته فواقعها فلما خرج للقتال قتل فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الملائكة تغسل حنظلة بماء السحاب في صحاف الفضة » قال أبو أسيد الساعدي : فرأيت الماء يتقاطر من رأسه فسألنا زوجته فقالت : خرج وهو جنب ورأيت في منامي كأن السماء ابتلعته رضي اللّه عنه . ( لطائف : الأولى ) في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [ التوبة : 111 ] حكى الإمام الرزاي عن أهل المعاني أنه لا يجوز للّه أن يشتري شيئا لأن المشتري لا يشتري إلا ما لا يملكه ، ولكن ذكر الشراء تلطفا في الدعاء إلى طاعته وذلك أن المؤمن إذا قاتل في سبيل اللّه فقد بذل نفسه وماله للّه تعالى فيجازيه بالجنة على ذلك فكأنه بيع وشراء مجازا . ( الثانية ) سبب نزول هذه الآية أن الأنصار رضي اللّه عنهم بايعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلا فقال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه : « أشترط لربك يا محمد ولنفسك ما تريد فقال : اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم » فقالوا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال : « الجنة » فقالوا ربح البيع لا نقيل لا نستقيل فنزلت هذه الآية قال الحسن ومجاهد ثامنهم فأغلى ثمنهم فإن قيل : قال إن اللّه اشترى من المؤمنين وما قال من الناس ، قيل : لأن لفظ الناس يشمل الكافر وهو كالآبق فلا يصح بيعه عند بعض العلماء . فإن قيل : كيف اشترى الفاني بالباقي ؟ قيل : اشترى منهم ثم أعطاهم ما يليق به سبحانه . ( الثالثة ) لا يصح البيع إلا من متعاقدين والحق سبحانه لما قال هذا الكلام لم يكن البائع وهو المؤمن موجودا ولا المبيع وهو النفس والمال ولا الثمن وهو الجنة ( فالجواب ) أن الحاكم يجوز له أن يشتري لصغير تحت حجره ويبيع له والعبد كان في علمه مصورا تحت حكم أزله ، وذكر بعض العلماء أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان وكيلا عنهم ليلة المعراج ( فإن قيل ) إن الكلام بين الإيجاب والقبول من المتعاقدين أو من أحدهما مبطل للعقد سيما مع طول المدة فكيف يصح القبول من النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج ( فالجواب ) أنه إذا باع لغائب فبلغه فقبل أو فحضر فقبل صح على الصحيح وإن كان الزمان بين الإيجاب والقبول طويلا ( فإن قيل ) كيف قال موسى عليه السلام : إني لا أملك إلا نفسي وقد اشتراها منه ربه ؟ ( فالجواب ) أنه تعالى قال من المؤمنين وما قال من الأنبياء ولأن المؤمن غير معصوم فاشترى منه نفسه ليصلحها . وجواب آخر أن موسى قال ذلك على سبيل المجاز ومعناه وقد ندبتني إلى أمرك وليس لي قدرة إلا على نفسي يعني ذاته . ( وجواب آخر ) إنما أضاف موسى نفسه إليه ليصح بيعها لأن الشراء من غير مالك لا يصح .