عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
227
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
وصل إلى الجبل قال : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ [ الصافات : 102 ] ولكن إذا أضجعتني فشد وثاقي لئلا يصيبك من دمي وكن على البلاء صابرا وادفع قميصي إلى أمي ليكون لها تذكرة وأقرئها السلام مني وإن سألتك عني فقل تركته عند من هو خير منك ومني ، فقال إبراهيم : يا رب ارحم ضعفي وكبر سني فإن لم ترحمني فارحم هذا الولد الصبي الصغير الذي لا ذنب له وكان عمره سبع سنين وقيل ثلاث عشرة فضجت الملائكة بالبكاء وفتحت أبواب السماء فصرعه على وجهه ووضع السكين على أوداجه فلم تقطع شيئا ، وقيل أوحى اللّه تعالى إلى جبريل أدركه وإن قطعت السكين منه شيئا لأمحونك من ديوان الملائكة ، قال النسفي رحمه اللّه تعالى : إن إبراهيم ألقى السكين مغضبا فقالت أي السكين لم تغضب ؟ قال لأنك لم تقطعي شيئا فقالت له : كيف النار لم تحرق منك شيئا ؟ قال خرج النداء من قبل اللّه يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] فقال : وأنا خرج لي سبعين مرة لا تقطعي شيئا وإن إسماعيل قال لأبيه حل وثاقي لئلا يقول الناس ذبحه قهرا ولا يعلمون أني أبذل روحي طائعا مختارا ثم قال : يا أبت أنا أكرم منك أم أنت أكرم مني فقال إبراهيم : أنا تكرمت بولدي فقال وأنا تكرمت بروحي ولا أملك غيرها ، وقيل إن إبراهيم أكرم لأن ألم الفرقة يدوم بالموت وألم الذبح يزول بالموت ، فلما قال ذلك قال اللّه تعالى : أنا أكرم منكما فأرسل جبريل بالكبش الذي قربه هابيل فذهب إبراهيم ليأخذه فهرب منه فقال جبريل ألا أحبسه لك قال لا قال ولم ؟ قال لأني ما استعنت بك في الهواء حين طرحوني في النار فكيف أستعين بك وأنا على وجه الأرض ؟ فلما نظر إسماعيل إلى الكبش بكى فقيل أتبكي في ساعة السرور ؟ فقال وكيف لا يبكي من أبعده الحبيب ولم يرضه للتقريب ؟ فقال جبريل : يا إبراهيم إن اللّه قد أعطاك بصبرك دعوة لك مستجابة ادع بها ما سألت فقال : اللهم لا تعذب أحدا من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم فقال جبريل : اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر فقال إسماعيل : لا إله إلا اللّه واللّه أكبر فقال إبراهيم : وللّه الحمد . ( لطيفة ) قال الهمداني رحمه اللّه تعالى : كأن اللّه تعالى يقول ربيت الكبش في الفردوس أربعة آلاف سنة ليكون فداء لإسماعيل من الذبح ، وكذلك ربينا فرعون أربعمائة سنة ليكون فداء لموسى من الغرق ، وربينا أشوع اليهودي خمسين سنة ليكون فداء لعيسى من القتل وذلك أن اليهود أدخلوا رجلا منهم على عيسى ليقتله فرفع اللّه عيسى وألقى شبهه على اليهودي فدخل اليهود البيت فقتلوا صاحبهم ظنا منهم أنه عيسى فذلك قوله تعالى : وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النساء : 157 - 158 ] وفي آية أخرى : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [ النساء : 157 ] وتقدم في باب الدعاء أن جبريل عليه السلام علمه دعاء فلما دعا به رفعه اللّه إليه . وكذا ربى اللّه اليهود والنصارى برزقه ليكونوا فداء لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم من النار يوم القيامة . ( فوائد : الأولى ) : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « زينوا أعيادكم بالتكبير » وفي رواية أنس : « العيدين بالتهليل والتقديس والتحميد والتكبير » ذكرها في المنتخب