عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

103

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

بطعامها لأجل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأتى بالمهاجرين والأنصار إلى دار جابر وكانت صغيرة فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : يا جابر أتحب أن يوسع اللّه دارك ؟ قال نعم قال : فجثا على ركبتيه ودعا قال جابر : فوالذي بعثه بالرسالة إني لأنظر إلى السقوف قد ارتفعت وإلى الجدران قد تباعدت فسكب النبي صلى اللّه عليه وسلم الطعام بيده وقال : يا جابر ادع القوم عشرة عشرة حتى أكلوا عن آخرهم ولم يبق إلا أنا وهو فقال : يا جابر ادع أولادك حتى آكل معهم فذهب إلى زوجته فقالت إنهم نيام فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك فقال : والذي نفسي بيده لا آكل إلا معهم فرجع جابر إلى زوجته فقالت دونك وإياهم فدخل البيت وكشف عنهما الغطاء فوجدهما بالحياة متعانقين فقعد أحدهما عن يمين النبي صلى اللّه عليه وسلم والآخر عن يساره فأكلوا حتى شبعوا فتبسم النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : يا جابر أخبرك بما أخبرني جبريل به قال نعم فأخبره بما اتفق من ولديه فتعجب من ذلك وقد حصل له ولزوجته الفرح والسرور وفي معنى ذلك قيل : إذا ما رماك الدهر يوما بنكبة * فهيئ له صبرا وأوسع له صدرا فإن تصاريف الزمان عجيبة * فيوما ترى يسرا ويوما ترى عسرا ( حكاية ) : لما جاء إخوة يوسف بقميصه إلى أبيهم فقال : ما أشفق هذا الذئب حيث أكل يوسف ولم يمزق قميصه ثم بكى بكاء كثيرا فجاء جبريل وقال : عليك بالصبر الجميل أي وهو الذي لا جزع فيه ولا شكوى فغمض عينيه وكتم حزنه في قلبه وقال : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [ يوسف : 18 ] فأرسل اللّه عليه النوم وقال : يا جبريل إن يعقوب قد وعد الصبر الجميل من نفسه فانزل عليه في صورة يوسف فلما رآه بكى وقال : أي قرة عيني فأيقظه جبريل وقال : أين الصبر الجميل فأخذ التراب وجعله في فمه وقال : تبت إليك فبكت الملائكة فقال اللّه تعالى : قل له يلقي التراب من فمه فقد غفرت له وأذنت له بالبكاء ولكن لا يشكو إلى غيري . وقال بعض العارفين : الصبر له باب مفتوح إلى الثناء والثناء له باب مفتوح إلى العطاء والعطاء له باب مفتوح إلى الجزاء والجزاء له باب مفتوح إلى البقاء والبقاء له باب مفتوح إلى اللقاء وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 ، 23 ] ومن نظر إلى اللّه فقد رضي اللّه عنه . ( حكاية ) : قال إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه : رأيت رب العزة في المنام فقال : قل اللهم أرضني برضائك وصبرني على بلائك وأوزعني أي ألهمني شكر نعمائك . وخرج يوما إلى الحج ماشيا فرآه رجل على ناقته فقال له : إلى أين يا إبراهيم ؟ قال : أريد الحج قال : أين الراحلة فإن الطريق بعيدة قال : لي مراكب كثيرة ولكن لا تراها قال : ما هي ؟ قال : إذا نزلت بي مصيبة ركبت مركب الصبر وإذا نزلت بي نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل القضاء ركبت مركب الرضا وإذا دعتني نفسي إلى شيء علمت أن ما بقي من الأجل أقل مما مضى فقال : سر بإذن اللّه فأنت الراكب وأنا الماشي . وقال الفضيل رضي اللّه عنه : الرضا عن اللّه درجة المقربين إلى اللّه ليس بينها وبين اللّه إلا روح وريحان . وقال قتادة : الروح الرحمة وقرأ يعقوب من العشرة فَرَوْحٌ بضم الراء أي تخرج روح المؤمن في الريحان والباقون فروح بفتح الراء أي له