سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
45
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
لحكمه ، وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده ، ثم على تشبيه هذا نظم الكلام ، فقال عز وجل ، وقيل على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل ، وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو يا ارض ويا سماء ، ثم قال مخاطبا لهما يا ارض ويا سماء على سبيل الاستعارة للشبه المذكور ، ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو اعمال الجارحة في المطعوم للشبه بينهما ، وهو الذهاب إلى مقر خفي ثم استعار الماء للغذاء تشبيها له بالغذاء لتقوى الأرض في الإنبات تقوي الآكل بالطعام ، ثم قال : ماءك بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض ، كاتصال الملك بالمالك ، ثم اختار لاحتباس الماء الاقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم التأنى ، ثم قال وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً ، ولم يصرح بمن غاض الماء ولا بمن قضى الامر ، وسوى السفينة وقال بعدا ، كما لم يصرح بقائل يا ارض ويا سماء ، سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية لان تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر ، وتكوين مكون قاهر ، وان فاعلها واحد لا يشارك في فعله ، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره يا ارض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي ، وأن لا يكون الغائض والقاضي والمسوي غيره ، ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما لأنفسهم اظهارا لمكان السخط ، وان ذلك العذاب الشديد ما كان إلا لظلمهم ، ومن جهة علم المعاني ، وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها . وذلك أنه اختير بأدون أخواتها لكونها أكثر استعمالا ، ولدلالتها على بعد المنادى الذي يستدعيه مقامه اظهار لعظمة والملكوت ، وابداء العزة ، والجبروت : وهو تبعيد المنادي المؤذن بالتهاون به ولم يقل يا ارضى لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب ، ولم يقل يا أيتها الأرض ، للاختصار ، واختير لفظ الأرض والسماء لكونهما أخف وأدور ، واختير ابلعي على ابتلعي لكونها اخصر وللتجانس بينه وبين اقلعي ، وقيل اقلعي ، ولم يقل عين المطر ، وكذا لم يقل يا ارض ابلعي