سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
46
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
ماءك فبلعت ، ويا سماء اقلعي ، فقلعت ، اختصارا ، واختير غيض على غيض وقيل الماء ، دون ان يقال ماء الطوفان والامر ولم يقل امر نوح وقومه لقصد الاختصار والاستغناء بحرف العهد عن ذلك ولم يقل وسويت على الجودى ، أي أقرت على نحو قيل وغيض اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله ، ( وهي تجري بهم إرادة للمطابقة ) ثم قيل بعدا للقوم ولم يقل ليبعد القوم طلبا للتأكيد مع الاختصار هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم . وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل ، فذلك انه قدم النداء على الامر ، فقيل يا ارض ابلعي ويا سماء اقلعي ، ولم يقل ابلعي يا ارض وأقلعي يا سماء ، جريا على مقتضى الكلام فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الامر الوارد عقيبه في نفس المنادي قصدا بذلك لمعنى الترشيح ، ثم قدم امر الأرض على السماء وابتدأ به لابتداء الطوفان منها ، ثم اتبع وغيض الماء لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها ، ثم ذكر ما هو المقصود من القصة ، وهو قوله ( وقضى الأمر ) أي انجز الموعود من اهلاك الكفرة ، وانجاء نوح عليه السّلام ومن معه في الفلك وعلى هذا فاعتبروا من جهة الفصاحة المعنوية ، وهي كما ترى نظما للمعاني وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشبك الطريق إلى المرتاد ومن جهة الفصاحة اللفظية فالفاظها على ما ترى عربية ، مستعملة سليمة عن التناثر ، بعيدة عن البشاعة ، عذبة على العذبات ، سليسة على الاسلاس ، كل منها كالماء في السلاسة ، وكالعسل في الحلاوة ، وكالنسيم في الرقة ، ومن ثم أطبق المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الاتيان بمثل هذه الآية ، وللّه در شأن التنزيل ، ألا يتأمل العالم آية من آياته ، ألا أدرك لطائف لا تسع الحصر ، ولا تظنوا الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك أكثر من المسطور .