سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
39
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
أخرى وهلم جرا . . . إلى أن ينزل في ذلك الحجر مقدار خمسين ذراعا في العمق في عرض خمسة اذرع ، إلى أن يستوفي الفي ذراع ، ثم يقطع على هذا الحكم وذلك يحتاج إلى عمر نوح ، وخزائن قارون ، وصبر أيوب . وما رأى من ذلك محيصا فأقدم عليه حتى فرغ الحطب من جميع جبال مكة وصار يجلب من المسافات البعيدة ، وغلا سعره ، وضاق الناس بذلك وتعب الأمير لذلك وذهبت أمواله وخدامه وأولاده ومماليكه ، وهو يتجلد على ذلك إلى أن قطع من المسافة الف ذراع وخمسمائة ذراع بالعمل ، وصار كلما فرغ المصروف ارسل وطلب مصروفا آخر إلى أن صرف أكثر من خمسمائة ألف دينار ذهبا من الخزائن العامرة السلطانية ، وغرق له مركب كان فيه باقي تجملاته وخزائن نقوده وفيه جملة من أسبابه وعبيده ، وكان ينوف على مائة الف ذهب في ابتداء امره . ثم مات له ولد صغير نجيب كان خلفه بمصر ، فاحترق قلبه عليه كثيرا ، ثم مات له ولدان نجيبان مراهقان اخذا بمجامع قلبه وفتتا كبده ، ثم مات كتخداه وكان بمنزلة امراء الصناجق ، ثم مات أكبر مماليكه وهو يتجلد لتلك المصائب العظيمة ، ويتصبر عليها ويظهر الجلد فيها إلى أن ذهب قواه ، وما بقي رمقه ولا ذماه ، ونزفه الاسهال ورمته الأهوال ، وجاءه الاجل الذي لا يتقدم ولا يتأخر ، وان اجل اللّه إذا جاء لا يؤخر ، فمات غريبا شهيدا ، ومضى إلى رحمة اللّه وحيدا فريدا ، في ليلة الاثنين ثاني رجب المرجب سنة اربع وسبعين وتسعمائة ، وصلى عليه عند باب الكعبة ، وكانت جنازته حافلة جدا . وأسف الناس عليه وعلى فقده لكثرة احسانه ، ودفن بالمعلاة على يمين الصاعد إلى الأبطح في تربة كان أعدها لنفسه تسمى الدفتر دارية ، ودفن فيها ولديه قبله وخلف طفلا صغيرا ، وحملا وبنتا من أهل الخير ، كثيرة الصلاح والعبادة ، وكان ذكر لي ان مولده سنة اثنين وعشرين وتسعمائة ، رحمه اللّه تعالى وأرضى عنه خصماءه يوم القيامة ، يوم الفزع الأكبر ، وسقاه من حوض الكوثر .