سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
33
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
والدي رحمه اللّه تعالى ، وفرغ الماء الذي كنا حملناه من مكة إلى عرفات وعطش أهلنا فتطلبت قليلا من الماء ما يبل حلوقهم في ذلك اليوم ، فاشتريت قربة ماء صغيرة جدا يكاد يحملها الانسان بأصبعه بدينار ذهب ! والفقراء يضجون من العطش ويطلبون من الماء ما يبل حلوقهم في ذلك اليوم الشريف ، فشرب أهلنا بعض تلك القربة ، وتصدقوا بباقيه على من كان مضطرا من الفقراء وعطشنا عقيبه ، وجاء وقت الوقوف الشريف والناس عطاشى يلهثون ، فأمطرت السماء ، وسالت السيول من فضل اللّه ورحمته ، والناس واقفون تحت جبل الرحمة ، فصاروا يشربون من السيل من تحت أرجلهم ويسقون دوابهم ، وحصل البكاء الشديد والضجيج من الحجاج في وقت الوقوف لما رأوا من رحمة اللّه تعالى ولطفه بهم ، واحسانه إليهم ، وتكرمه عليهم ، ولا أزال أتذكر تلك الساعة ، وما حصل فيها من اللطف العظيم ، من كرم اللّه العميم ، وأرجو انه الرب الكريم ، وأتيقن انه الغفور الرحيم ، ذو العرش المجيد ، الذي ينزل الغيث على عباده من بعد ما قنطوا ، وينشر رحمته وهو الولي الحميد . ثم برزت الأوامر السلطانية الشريفة السليمانية باصلاح عين حنين ، وعين عرفات ، وعين لهما ناظرا اسمه مصلح الدين مصطفى من المجاورين بمكة ، فبذل جهده في عمارتهما ، واصلح قنواتهما ، إلى أن جرت عين حنين ودخلت إلى مكة ، وخرجت من أسفلها ، من بركة ماجن ، وأصلح عين عرفات وأجراها حتى صارت تملأ البرك بعرفات ، وذلك في سنة احدى وثلاثين وتسعمائة ، وصار الحجاج يرتوون من ذلك الماء العذب الفرات ، بعد ذلك العطش الشديد في يوم عرفات ، ويدعون لمن كان سببا لاجراء هذه الخيرات ، ثم اشترى ناظر العين عبيدا سودا من مال السلطنة ، وجعل لهم من خزائن السلطنة جرايات وعلوفات ، لأجل خدمتهم العين ، واخراج اتربتها من الذيول والقنوات ، وهذه خدمتهم دائما ، وصاروا يتوالدون ، وهم إلى الآن باقون ، طبقة بعد طبقة لهذه الخدمة ، ثم توجه مصطفى ناظر العين إلى الأبواب الشريفة السلطانية وعرض في امر العين أحوالا يجب عرضها ، فأجيب إلى