سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
32
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
وثمانمائة فجرت ، وانفجرت ، ونفعت وابلجت ، وكثر الدعاء له من أهل البلاد والحجاج والعباد ، وتقبل اللّه منه عمله ، ثم انقطعت ولقى الناس لذلك شدة شديدة إلى أن عمرها صاحب مصر من ملوك الشراكسة المؤيد أبو النصر شيخ المحمودي في سنة احدى وعشرين وثمانمائة ، هكذا ذكره التقي القاسي رحمه اللّه تعالى ، ثم عمرها وعمر عين عرفات أيضا بعد ذلك من ملوك الشراكسة السلطان الملك الأشرف قايتباي رحمه اللّه تعالى ، فعمر عين عرفات وأجراها إلى ارض عرفات وعمر عين حنين حتى جرت إلى مكة ، وعمر عين خليص وحصل منها الرفق للحجاج وأهل البلاد ودعوا له وأثنوا عليه بذلك ، وعم احسانه ، وكثرت خيراته ، ضاعف اللّه اجره ومثوباته ، وذلك بمباشرة الأمير يوسف الجمالي وأخيه الأمير سنقر الجمالي رحمهم اللّه أجمعين ، وذلك في سنة خمس وسبعين وثمانمائة . ثم عمر عين حنين آخر ملوك الشراكسة ، السلطان قانصوه الغوري رحمه اللّه تعالى حتى جرت وملأت برك الحجاج في المعلاة ، ثم جرت إلى بازان وإلى بركة ماجن في درب اليمن من أسفل مكة ، وارتفق الناس بذلك ، ثم انقطعت في أوائل السلطنة العثمانية بهذه الأقطار الحجازية ، وبطلت العيون لقلة الأمطار ، وتهدمت قنواتها وانقطعت عين حنين عن مكة المشرفة ، وصار أهل البلاد يستقون من الآبار حول مكة من آبار يقال لها العسيلان في علو مكة قريب من المنحنى ، ومن آبار في أسفل مكة في مكان يقال له الزاهر ، في طريق التنعيم ، وكان الماء غالبا قليل الوجود ، وكذلك انقطعت عين عرفات وتهدمت قنواتها ، وكان الحجاج يحملون الماء إلى عرفات من الأمكنة البعيدة وصار فقراء الحجاج في يوم عرفة لا يطلبون شيئا غير الماء لعزته ، ولا يطلبون الزاد ، وربما جلبه بعض الأقوياء من الأماكن البعيدة للبيع فيحصلون أموالا لغلو ثمنه . قال القطبي : واني اذكر ان في سنة ثلاثين وتسعمائة قل الماء في الآبار البعيدة أيضا ، فارتفع سعر الماء جدا في يوم عرفة وكنت يومئذ مراهقا في خدمة