سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي

18

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس

وكنت في مدة هذه الاسفار أسطر كل ما شاهدته من العجائب في تلك البلدان والأقطار وأثبت اسم كل من اجتمعت به من العلماء الأحبار ، والصلحاء الأبرار والرؤساء ذوي الافتخار والامراء والوزراء والأدباء والشعراء ، وأدون كل ما سمعته منهم ، من شعر لطيف ، وخبر ظريف ، ومسائل علمية ، ونكت أدبية فلما رأيت قد اجتمع عندي من ذلك شيئا كثيرا استخرت اللّه سبحانه واهتديت به في كل الأمور ، وكفى بربك هاديا ونصيرا ، وجعلت هذه الرحلة موافقة لحالي لائقة لمثلي وامثالي ، وسهرت على تأليفها الليالي ، وان كان جرابى من زاد الآداب خالي ، وأثبت فيها هذا الذي نقلته ، وجمعته وحررته ، رجاء أن تكون تذكرة من بعدي للأصحاب ، ذوي البلاغة والآداب ، وتبصرة لمن تهزه نفسه لركوب غارب بعير الاغتراب ، وان يستفيد بمطالعتها الأصدقاء والأحباب ، فقد قيل : أعز مكان في الدنا ظهر سابح * وخير جليس في الزمان كتاب ولم اسلك فيها طريق السلف أهل الرحل ، الذين بأحاديث فضلهم ، وكمالهم وادبهم يضرب المثل ، بل اخترقت لها جادة غير تلك الجادة ، ومادة ليست كتلك المادة ، معترفا بعجزي عن ادراك شأو أولئك الذين لهم في كل علم مصنف ، وفي كل فن مؤلف ، وأيضا من أقر بعجزه ، فقد انصف ، وعملا بقول القائل : خالف تعرف ، فجاءت على كل حال ، بعون المعين المعتال ، رحلة لطيفة ، أنيسة ظريفة ، بليغة مفيدة ، وحيدة فريدة ، جميل معناها والبيان ، بثنية الحسن بلا دهان ، قد راقت ألفاظها ورقت ، وحسنت معانيها البليغة ودقت ، فأتت بعون الخبير اللطيف على وضع بديع لطيف ، محتوية على توايخ وتراجم ، يهش لمعانيها الرائقة كشاجم وفوائد أدبية ، يشتاق لها ابن القرية ، وأجوبة وايرادات ، والغاز ومعميات ، ورسائل أنيسة ، وانشاءات نفيسة ، ومواعظ وتفاسير ، وتحارير وتقارير ، وعلوم غريبة ، وشواهد عجيبة ، وأحاديث واخبار ، ونثر واشعار ، ونكت ولطائف ، وحكايات وظرائف ، ومسائل ومباحث ، يعجز في حلبتها كل مناضل ومنافث ،