سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
422
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
عبد المنعم ابن السروجى قال سمعت اخى القاضي ابا الفتح يقول دخلت على أبى العلا المعرى ذات يوم بالمعرة في وقت صلاة بغير علم منه وكنت أتردد اليه واقرأ عليه فسمعته ينشد من قوله : كم غودرت غادة كعاب * وعمرت أمها العجوز احرزها الوالدان خوفا * والقبر حرز لها حريز يجوز ان تبطىء المنايا * والخلد في الدهر لا يجوز ثم تأوه مرات وتلا ان في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأتي لا تكلم نفس الا بأذنه فمنهم شقى وسعيد ثم صاح وبكى بكاء شديدا وطرح وجهه على الأرض زمانا ثم رفع رأسه ومسح وجهه وقال سبحان من تكلم بهذا في القدم فقلت له يا سيدي مالي أرى في وجهك اثر غيظ فقال لا يا ابا الفتح ولكن قرأت شيئا من كلام الخالق فلحقني ما رايت فتحققت صحة دينه وقوة يقينه . ( ولما ) عاد من بغداد لزم بيته وسمى نفسه رهين المحبسين يعنى البيت والعمى وكان أبو العلا في الذكاء والحفظ غاية لا تدرك . ذكر تلميذه أبو زكريا التبريزي انه كان قاعدا في مسجده بمعرة النعمان بين يدي أبى العلا يقرأ شيئا من تصانيفه قال وكنت قد أقمت عدة سنين لم أر أحدا من أهل بلدي فدخل المسجد بعض جيراننا للصلاة فرأيته وعرفته فتغيرت من الفرح فقال لي أبو العلا أي شئ أصابك فحكيت له فقال لي قم فكلمه فقلت حتى أتم المسئلة فقال لي قم وانا انتظرك فقمت وكلمته بلسان أذربيجان شيئا كثيرا إلى أن سألت عن كل ما أردت فلما رجعت وقفت بين يديه فقال لي أي لسان هذا فقلت هذا لسان أذربيجان فقال لي ما عرفت اللسان ولا فهمته غير انى حفظت ما قلتما جميعا ثم اعاده علىّ بعينه من غير أن ينقص من اللفظ أو يزيد عليه فتعجبت غاية العجب من كونه حفظ من مرة ما لم يعلمه .