سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
261
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
وما أحسن قول القائل : له آمر بالرشد في يقضاته * وفي النوم يهديه لخير الطرائق فان قام لم يدأب لغير فضيلة * وان نام لم يحلم بغير الحقائق وما أليق هذا بجناب النبي صلى اللّه عليه واله فإنه كان في مبدأ الأمر قبل النبوة لا يرى الرؤيا إلا جاءت كأنها فلق صبح . واعلم أن القوة المتخيلة لا تستقل بنفسها في رؤية المنام ، بل تفتقر إلى رؤية القوة المفكرة والحافظة وسائر القوى العقلية . فمن رأى كان أسدا تخطى اليه وتمطى ليفترسه ، فالقوة الفكرية تدرك ماهية سبع ضار والذاكرة تدرك افتراسه وبطشه ، والحافظة تدرك حركاته وهيآته والمخيلة هي التي رأت ذلك جميعه وتخيلته . واعلم أن المنامات التي تحتاج إلى التعبير هي الرؤيا التي تكون من اللّه تعالى أما بشارة أو نذارة لطفا من اللّه تعالى ليتنبه الانسان لما يحدث في المستقبل . ولهذا ورد عن النبي صلى اللّه عليه واله أنه قال : لم يبق من الوحي إلا الرؤيا الصادقة . وقال صلى اللّه عليه واله الرؤيا الصادقة جزء من أربعة وستين جزأ من النبوة . وفسر ذلك القاضي عياض رحمه اللّه تعالى بأن قال ما معناه ان مدة ما كان النبي صلى اللّه عليه واله وسلم يتعبد بجبل حراء قبل النبوة يكون قدر جزء من أربعة وستين جزء من مدة النبوة ، وهي احدى وعشرون أو ثلاث وعشرون ، أو خمس وعشرون سنة . قال الصفدي : أصح الأقوال انه عاش صلى اللّه عليه واله ثلاثا وستين سنة ، وانه نبىء على رأس الأربعين سنة ، فمدة النبوة ثلاث وعشرون سنة ، وثبت انه كان يوحى اليه مناما قبل البعثة ستة اشهر ، وهي نصف سنة ، فإذا نسبنا ستة اشهر من ثلاث وعشرين سنة كان جزء من ستة وأربعين ، وهو كما جاء في اشهر الأقوال . واعلم أن السبب في تأخير تحقيق المنامات الجيدة وسرعة تحقيق المنامات الرديئة هو ان القوة الإلهية المظهرة لهذه المنامات تعجل البشارات بالخيرات الكائنة قبل