سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
220
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
وصانع هذا فرهاد البهلوان ، وعلى قدر أربعة فراسخ من ذلك الجبل جبل آخر يسمى أيضا بيستون وله قصة عجيبة مشهورة عند الاعجام ، بين الخاص والعام وهو ان ملكا من ملوك الفرس ، يسمى خسرو وله زوجة تسمى شيرين ، وكانت عديمة المثال في الحسن والجمال ، والتيه والدلال ، فولع بها هذا البهلوان فرهاد ، وكان قويا شجاعا من الجبابرة الشداد فلم يزل من حبها يهيم ، وسكن بهذا الجبل وبقلبه من حبها نار الكليم ، وكثرت لأجلها على الملك مضراته ، واتصلت به في هواها معراته ، وكان الملك كلما أراد وقوعه في شباك المهالك ، لم يقدر على ذلك لبطش فرهاد وقوته واقدامه وشدته . فلما رأى حال الملك الوزير ، وما يقاسيه من هذا الامر الخطير ، والحال العسير ، مع هذا الجبار الكبير ، قال له : الرأي عندي أن تأمر شيرين بارسال كتاب تعطف له ولين ، ويكون مضمونه اني أحبك محبة صادقة ، لما سمعت بهمتك العالية التي هي بالافلاك لاحقة ، واني سوف احتال على قتل الملك خسرو وأصل بنفسي إليك ، وإنما أولا أشرط شرط عليك ، وهو انك تنحت لي بيتا بأعلى جبل بيستون ، يعجز عن مثله الذين كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون ، فإذا تم ذلك أصل إليك هنالك ، فهو لا شك إذا أغتر منها بمثل هذا الكلام يسعى لها في نيل المرام ، لأنه عاشق مستهام . ويرتاح للمعروف في طلب العلى * لتحمد يوما عند ليلى شمائله فلا يفرغ من هذا العمل إلا بعد أعوام عديدة ، فنحن ندبر الحيلة على قتله في هذه المدة المديدة فاستصوب الملك رأي الوزير الصالح ، وانفتحت له أبواب المصالح ، فأمر إذ ذاك شيرين بارسال الكتاب اليه ، لعل ان تتم الحيلة عليه ، فلما وصلت فرهاد الرسالة ، وسمع هذه الإشارة من الغزالة ، اشتعل قلبه بالعشق كاشتعال الذبالة ، وراق فكره ، وانشرح صدره . ثم إنه أخذ بيده قدوما وصعد على جبل بيستون ، فنحت به بيتا من رآه