سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي

74

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس

وافر رزقه ، فالتفتت المدينة إلى أختها وقالت : أترانا خلقنا بعد قسمة الارزاق ، أم ضاق علينا ما وسع الآفاق ، فما بالنا لم يحصل لنا من هذه القسمة قسم وان لم يكن لنا معهم فضل فلا أقل من الاسم . ثم قالت : ان مثلنا في السكوت لا يعذر ، والشئ بالشئ يذكر ، والكلام في وقته عند ذوي المعروف غير منكر وقد تبد لنا بالبعد عن المقام الشريف والحمد للّه قربا ، فتعالي فلنقدم بين يدي نجوانا صدقة ، وإذا حضر القسمة أولوا القربى ، ثم إنها أقبلت على الدعاء للباب الشريف الغالي ، وأطالت وتوجهت إلى مقامه العالي ، وقالت : ليعلم مولانا السلطان ، أدام اللّه له التمكين والامكان وشيد بهمته العلية من الدين الأركان ، وجعل حكمه نافذا بكل مكان ، ان المدارس خلت في تلك البقاع من الدروس والدارس ، وصارت كالطلل الدارس ، واعلام العلم بها خفى منه الرسم واعتل الجسم ، ولم يبق منها في الحقيقة إلا الاسم ، وقد كانت تلك الأماكن المطهرة ، منشأ الدين ومظهره ، ومشرع الشرع ومنبعه وينبوع بدر العلم ومطلعه ومبدأ الايمان ومعدنه ، ومحل التنزيل وموطنه ، وسبب قلة العلم بتلك الأماكن ، حتى لم يبق منه ساكن اشتغال طلبتها بطلب القوت ، وضيق أحوالهم في غالب الوقوت ، وها نحن قد حضرنا لدى المقام الذي لا يخيب قاصده ، والباب الذي لا يشقى وافده ، والمورد العذب الذي لا يظمأ وارده ، فأجابت صدقاته العميمة ، وشيمه الكريمة ، وعواطفه الرحيمة ، وقالت لكل واحدة منهما لك مناك والقيام ان شاء اللّه تعالى بالأمر الذي عناك وعناك ، فليفرح روعك وليسكن روعك ، وبرز المرسوم الشريف بإجابة سؤالهما ، والنظر في أحوالهما ، فقبلتا الأرض بين يديه واشتغلتا بالدعاء له والثناء عليه ، وابتهلتا إلى اللّه تعالى في دوام أيام دولته القاهرة ، وان يجعلهما على ممر الأيام الظافرة الظاهرة ثم خرج لهما التشريف والانعام بما سألتاه على الدوام في كل عام ، ونهضتا قافلتين ظافرتين بسؤالهما بسلام ، وزال ما بينهما من الخصام والكلام ، والسلام .