سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
73
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
ثم إنها أقبلت على الجناب الشريف وتنهدت ، ورفعت عن برقعها وأنشدت : أنقذ بقية شلوى من يدي زمن * أضحى بقد أديمي قد منتهس دعوتك الدعوة الأولى وبي رمق * وهذه دعوتي والدهر مفترسى ثم قالت : ما قلت حتى لحق السكين العظم وبلغ السيل الربى ووصل الحزام الطببين ، وقال الحائط للوتد لم تشقني ، قال سل من يدقني : فان كنت مأكولا فكن خير آكل * وإلا فادركنى ولما امزق آخر : وإذا الفتى لعبت به أيامه * لم يستعن إلا بعون كريم فاعن على الدهر الغشوم فإنما * يدعى العظيم لدفع كل عظيم فقالت لها المدينة : وإلى هنا انتهيت ، فما أبعد ما رميت ، ثم قالت : لا عتب يغشاك ولا لوم ، ولا كرب عليك بعد اليوم : وما شرب العشاق إلا بقيتي * ولاوردوا في الحب إلا على وردي ولكن شكواي لا تشابه شكواك ، وبلواي لا تماثل بلواك ، وسؤالي غير سؤالك ، وحالي خلاف حالك ، أنت تشتكين من عدم الجيش ، وأنا اشتكي من قلة العيش ، وتذكرين اختلاف العمال ، وأنا اذكر قلة المال ، وتسألين الراحة من الضير ، وأنا اسأل المزيد من الخير . فقالت لها مكة : أليس الجنسية علة الضم ، وان الصداقة بين الاخوان نسب بني العم ، وقد اتفقنا في النسب ، وان اختلفنا في السبب ، فبينما هما يتجاذبان الحديث ، ويتذاكران ما دار بينها من القديم والحديث ، وإذا بزوال لائح ، وسواد سانح ، قد سدّ الأفق ، وملأ الفجاج والطرق ، فقالتا ما الخبر وحققتا النظر ، وإذا بفقهاء المدرسة المعمورة ، وأرباب الأوقاف المبرورة قد اقبلوا زمزة أثر زمرة ، كأنهم قافلون من حج أو عمرة ، فجلسوا في مراتبهم ، وأخذوا ما لهم من رواتبهم ، وراح كل منهم بقسطه من ذلك وحقه ، ووصل اليه ما قسم له من