أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
72
نثر الدر في المحاضرات
روي أن عبد الملك قال حين ثقل ورأى غسّالا يلوي ثوبا بيده : وددت أنّي كنت غسالا لا أعيش إلا بما أكسب يوما فيوما فذكر ذلك لأبي حازم فقال : « الحمد للّه الذي جعلهم عند الموت يتمنّون ما نحن فيه ، ولا نتمنّى عند الموت ما هم فيه » . كان الربيع بن خثيم إذا قيل له : كيف أصبحت أبا يزيد ؟ قال : مذنبين نأكل أرزاقنا وننظر آجالنا . قال بعض الملوك لبعض الزهاد : اذمم الدنيا ، فقال : أيّها الملك ، هي الآخذة لما تعطي ، المورّثة بعد ذلك الندم ، السالبة ما نكسو ، الوارثة بعد ذلك الفضوح ، تسدّ بالأراذل مكان الأفاضل ، والعجزة مكان الحزمة ، تجد في كلّ من كلّ خلفا ، وترضى بكلّ من كلّ بدلا ، تسكن دار كلّ قرن قرنا ، وتطعم سؤر كلّ قوم قوما . ذكر أنه كان للنّعمان بن المنذر إخوة ثلاثة يقال لأحدهم : مالك ، وللآخر عمرو ، هو محرّق ، والثالث علقمة ، وكان مالك ذا فضل بيّن ، ورأي جزل ، فهلك مالك فأعظم ذلك عمرو وكربه - وكان عمرو مرجوّا عند عامّة مملكته لبوائق الدهر ، وحوادث الأيام - فلما رأى المنذر بن النّعمان بن المنذر ما بعمه عمرو من الوجد على مالك أفظعه ذلك وكربه ، وكسف باله وغيّر حاله ، ودخل عليه من ذلك ما كاد أن يكون شبيها بموت مالك فسأل المنذر بن النعمان أباه أن يجمع له رؤساء أهل مملكته وعلماءهم وخطباءهم وحلماءهم وذوي الشرف منهم ، ثم يأذن له في الكلام والقيام في أمر مالك ، والتعزية بعمّه . فأجابه أبوه النعمان إلى ذلك ، وأعجبه ما دعاه إليه ، فلما توافت الرجال احتفل النعمان - يعني حفّل المجلس ، وحشدهم ، وأنزلهم على قدر منازلهم - فلما أخذوا مجالسهم قام المنذر بن النعمان فثنيت له نمرقة الشرف على منبر الكرامة عن يمين النعمان - وهو كبير المتكلمين في جسيم الأمور - فرفع صوته فقال : يا عمرو ، يا ابن ثمرة الرأي ومعدن الملك ، إنما الخلق للخالق ، والشكر للمنعم ، والتسليم للقادر ، ولا بدّ مما هو كائن .