أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
73
نثر الدر في المحاضرات
يا عمرو ، إنه لا أضعف من مخلوق ، ولا أقوى من خالق ، ولا أقوى ممّن طلبته في يديه ، ولا أعجز ممن هو في يد طالبه . يا عمرو ، إن التفكّر نور ، والغفلة ظلمة ، والجهالة ضلالة ، وقد ورد الأوّل ، والآخر مسوق متعبّد ، وفي الأسى عزاء ، والسعيد من وعظ بغيره . يا عمرو ، إنه قد جاءك ما لا يردّ ، وذهب عنك ما ليس براجع ، فما الحيلة لبقاء ما سيذهب ؟ يا عمرو ، إنما الشيء من مثله ، وقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها ، فما بقاء فرع بعد أصله . يا عمرو ، انظر إلى طبقات حالاتك من لدن أن كنت في صلب أبيك إلى أن بلغت منزلة الشرف ، وحدّ العقل ، وغاية الكرامة ، فهل قدرت - أو قدروا - على أن ينقلوك أو تنتقل عن طبقة قبل انقضائها ، أو بتعجيل نعمة قبل أوان تحيّنها ؟ وانظر إلى آبائك الذين كانوا أهل الملك والأخلاق المحمودة ، هل وجدوا سبيلا - أو وجدت لهم - إلى بقاء ما أحبّوا أو بقوا بعده ؟ يا عمرو ، فلأيّ أيام الدهر ترتجي ؟ أيوم لا يجيء بما في غيره ، أو يوم لا يستأخر ما فيه عن أوان مجيئه ؟ وانظر إلى الدهر تجده أياما ثلاثة : يوما مضى لا ترجوه ، ويوما بقي لا بدّ منه ، ويوما يأتي لا تأمنه . يا عمرو أمس موعظة ، واليوم غنيمة ، وغدا لا تدري من أهله ، فأمس شاهد مقبول شهادته ، وحكيم مؤدّب ، قد فجعك بنفسه ، وخلّف في يديك حكمته ؛ واليوم صديق مودّع ، كان طويل الغيبة ، وهو سريع الظعن ، أتاك ولم تأته ، وقد مضى قبله شاهد عدل ، فإن كان ما فيه لك فأتبعه بمثله ، واتق اجتماع شهادتهما عليك ؛ وغدا يجيء بما فيه . يا عمرو ، أكمل الأداة الصبر عند المصائب ، واليقين ، فأين المهرب مما هو كائن ؟ إنما تنقلب في كفّ الطالب . يا عمرو ، إنّ أهل هذه الدار سفر لا يحلّون عقد الرّحال إلّا في غيرها ، وإنما يتبلّغون فيها بالعواري ، فما أحسن الشكر للمنعم ، والتسليم للمعير ! .