أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
67
نثر الدر في المحاضرات
قيل لميمون بن مهران « 1 » : إنّ رقيّة امرأة هشام ماتت فأعتقت كلّ مملوك لها ، فقال ميمون : يعصون اللّه مرتين : يتجملون به وهو في أيديهم بغير حق ، فإذا صار لغيرهم أسرفوا فيه . عزّى رجل الرشيد فقال : آجرك اللّه في الباقي ، ومتّعك بالفاني . فقال : ويحك ! ما تقول ؟ وظن أنه غلط ، فقال : ألم تسمع اللّه يقول : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النّحل : الآية 96 ] فسرّي عنه . دخل عمر بن ذرّ على ابنه ، وهو يجود بنفسه فقال : يا بنيّ إنه ما علينا من موتك غضاضة ، ولا بنا إلى أحد سوى اللّه حاجة ، فلما قضى نحبه ، وصلّى عليه ، وواراه ، وقف على قبره فقال : يا ذرّ ، إنه قد شغلنا الحزن لك على الحزن عليك ؛ لأنّا لا ندري ما قلت وما قيل لك ، اللهمّ إني قد وهبت له ما قصّر فيه مما افترضت عليه من حقّي ، فهب له ما قصر فيه من حقّك ، واجعل ثوابي عليه له ، وزدني من فضلك إني إليك من الراغبين . قال بعض الصالحين : لو أنزل اللّه عزّ وجلّ كتابا أنه معذّب رجلا واحدا لخفت أن أكونه ، وأنه راحم رجلا واحدا لرجوت أن أكونه ، وأنه معذبي لا محالة ما ازددت إلا اجتهادا . لئلا أرجع على نفسي بلائمة . وقال مطرف بن عبد اللّه لابنه : « يا عبد اللّه ، العلم أفضل من العمل ، والحسنة بين السيئتين كقول الحقّ بين فعل المقصّر والغالي » . ومن كلامه : « خير الأمور أوساطها ، وشرّ السّير الحقحقة ، وشر القراءة الهذرمة » . وكان ابن السماك يقول : إذا فعلت الحسنة فافرح بها واستقللها ؛ فإنك إذا استقللتها زدت عليها ، وإذا فرحت بها عدت إليها . ويروى عن أويس القرنيّ أنه قال : « حقوق اللّه لم تدع عند مسلم درهما » .
--> ( 1 ) هو ميمون بن مهران بن موسى بن وردان ، أبو أيوب ، من أجلاء علماء التابعين وزهادهم وعبادهم وأئمتهم ، كان إمام أهل الجزيرة ، توفي سنة 117 ه ( البداية والنهاية 9 / 327 - 332 ) .