أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
68
نثر الدر في المحاضرات
قال يحيى بن معاذ الرازيّ « 1 » : إنّ للّه عليك نعمتين : السراء للتذكير ، والضراء للتطهير فكن في السراء عبدا شكورا ، وفي الضراء حرّا صبورا . دخل ابن السّمّاك يوما على الرشيد فدعا الرشيد بماء ليشربه فقال : ماء ! ناشدتك اللّه ، أرأيت لو منعت من شربه ما الذي كنت فاعله ؟ فقال : كنت أفتديه بنصف ملكي ، فقال : اشرب هنيئا لك ، فلمّا فرغ من شربه قال : ناشدتك اللّه ، أرأيت لو منعت من خروجه ما كنت تفعل ؟ قال : كنت أفتديه بنصف ملكي ، فقال : إنّ ملكا يفتدى بشربة ماء لخليق بألا ينافس عليه . كان يحيى بن معاذ يقول للناس : لا تكونوا ممن يفضحهم يوم موتهم ميراثه ، ويوم القيامة ميزانه . قال المنصور لعمرو بن عبيد : عظني . فقال : أعمّا رأيت أو ما سمعت ؟ فقال : بل عظني بما رأيت ، فقال له : مات عمر بن عبد العزيز فخلّف أحد عشر ابنا وبلغت تركته سبعة عشر دينارا ، كفّن منها بخمسة دنانير ، واشترى موضع قبره بدينارين ، وأصاب كلّ واحد من ولده ثمانية عشر قيراطا ، ومات هشام فخلّف أحد عشر ابنا وأصاب كلّ واحد من ولده ألف ألف دينار ، فرأيت رجلا من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل اللّه ، ورأيت رجلا من ولد هشام يسأل الناس ليتصدّق عليه . قال بعضهم : الدنيا دار تجارة ، فويل لمن تزوّد منها الخسارة . قال بعضهم : اصبروا عباد اللّه على عمل لا غنى بكم عن ثوابه ، واصبروا عن عمل لا صبر لكم على عقابه .
--> ( 1 ) هو يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي ، الواعظ ، كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، خرج إلى بلخ وأقام فيها مدة ، ثم رجع إلى نيسابور ، وتوفي بها سنة 258 ه ( انظر ترجمته في : البداية والنهاية 11 / 35 ، طبقات الصوفية ص 107 ، حلية الأولياء 1 / 51 ، صفة الصفوة 4 / 71 ، الطبقات الكبرى للشعراني 1 / 94 ، الرسالة القشيرية ص 21 ، وفيات الأعيان 2 / 296 ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 14 / 208 ، شذرات الذهب 2 / 138 ، نفحات الأنس ص 166 ، الكواكب الدرية 1 / 496 ، هدية العارفين 2 / 516 ، كشف المحجوب للهوجيري ص 122 ، النجوم الزاهرة 3 / 30 ) .