أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
64
نثر الدر في المحاضرات
مرّ عبد اللّه بن المبارك « 1 » برجل واقف بين مقبرة ومزبلة فقال : يا رجل ، إنك بين كنزين : كنز الأموال ، وكنز الرجال . دخل الإسكندر مدينة فتحها ، فسأل عن أولاد الملوك بها ، فقال أهلها : بقي رجل منهم يسكن المقابر ، فدعا به فأتاه ، فقال له : ما دعاك إلى لزوم المقابر ؟ قال : أحببت أن أميّز بين عظام ملوكهم وعظام عبيدهم ، فوجدتهما سواء ، فقال له الإسكندر : هل لك أن تتبعني فأحيي شرفك وشرف آبائك إن كانت لك همّة ؟ فقال : همّتي عظيمة ، فقال : وما هي ؟ قال : حياة لا موت معها وشباب لا هرم معه ، وغنى لا فقر معه ، وسرور لا مكروه فيه ، قال : ليس عندي هذا ، قال : فدعني ألتمسه ممن هو عنده . قال مطرّف : إني لأستلقي بالليل على فراشي فأتدبر القرآن كلّه ، فأعرض نفسي على أعمال أهل الجنة فأرى أعمالهم شديدة كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) [ الذّاريات : الآية 17 ] . يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً [ الفرقان : الآية 64 ] . أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [ الزّمر : الآية 9 ] . تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [ السّجدة : الآية 16 ] . فلا أرى صفتي فيهم . ثم أعرض نفسي على أعمال أهل النار ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) [ المدّثّر : الآية 42 ] . وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ( 92 ) [ الواقعة : الآية 92 ] فلا أراني فيهم . ثم أمرّ بهذه الآية وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ [ التّوبة : الآية 102 ] فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخواننا منهم . قال يحيى بن معاذ « 2 » : الوعد حق الخلق على اللّه ، فهو أحقّ من وفى ، والوعيد حقه على الخلق ، فهو أحق من عفا .
--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن المبارك بن واضح الحنظلي ، أبو عبد الرحمن المروزي ، تركي الأب ، الخوارزمي ، نزيل بغداد ، ولد سنة 118 ه ، وتوفي بهيت سنة 181 ، من تصانيفه : « أربعين في الحديث » ، « تفسير القرآن » ، « الدقائق في الرقائق » ، « رقاع الفتاوى » ، « كتاب البر والصلة » ، « كتاب التاريخ » ، « كتاب الجهاد » ، « كتاب الزهد » ، « كتاب السنن في الفقه » . ( كشف الظنون 5 / 438 ، وانظر ترجمته أيضا في : كتاب الوفيات ص 143 ، شذرات الذهب 1 / 295 ، حلية الأولياء 8 / 162 ، البداية والنهاية 10 / 186 - 188 ) . ( 2 ) هو يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي ، الواعظ ، كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، خرج إلى بلخ وأقام فيها مدة ، ثم رجع إلى نيسابور ، وتوفي بها سنة 258 ه ( انظر ترجمته في : البداية